حين يتراجع الدخل الحقيقي.. أحمد أشرف: القوة الشرائية أصبحت التحدي الأكبر أمام الأسر المصرية
الخبير الاقتصادي: زيادة الرواتب الاسمية لا تعني تحسن مستوى المعيشة.. والتضخم أعاد تشكيل أولويات الإنفاق ودفع الأسر نحو التمويل الاستهلاكي
أكد أحمد أشرف، المحاسب والخبير الاقتصادي، أن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأسر المصرية في المرحلة الحالية لا يتمثل في قيمة الرواتب أو الزيادات الاسمية التي شهدتها الأجور خلال السنوات الأخيرة، وإنما في تراجع القوة الشرائية للدخل الحقيقي نتيجة الارتفاع المتسارع في معدلات التضخم وتكلفة المعيشة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على نمط الإنفاق والاستهلاك داخل الأسرة المصرية.
وأوضح أحمد أشرف أن النمو الكبير الذي شهده قطاع التمويل الاستهلاكي خلال السنوات الماضية، والذي تناوله في دراسة سابقة، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد توسع في نشاط مالي، بل باعتباره انعكاسًا لتحولات اقتصادية واجتماعية عميقة داخل المجتمع المصري، مؤكدًا أن هذا التحليل يقود إلى سؤال أكثر أهمية يتعلق بسبب لجوء ملايين الأسر إلى التمويل والتقسيط بصورة متزايدة.
وأشار إلى أن الإجابة لا تبدأ من شركات التمويل أو البنوك، وإنما تبدأ من الراتب نفسه، موضحًا أن كثيرًا من العاملين في القطاعين العام والخاص حصلوا على زيادات متتالية في دخولهم، كما شهد الحد الأدنى للأجور عدة زيادات في إطار جهود الدولة للتخفيف من آثار موجات التضخم العالمية والمحلية، إلا أن شريحة واسعة من المواطنين لا تزال تشعر بأن الراتب يفقد قيمته بسرعة، وأن ما كان يكفي احتياجات الأسرة قبل سنوات لم يعد قادرًا على تغطية المتطلبات نفسها في الوقت الحالي.
وأضاف أن هذه المفارقة لا تعكس بالضرورة انخفاضًا في قيمة الدخول الاسمية، وإنما ترتبط بمفهوم اقتصادي بالغ الأهمية هو "الدخل الحقيقي"، والذي يقيس قدرة الراتب على شراء السلع والخدمات بعد احتساب أثر التضخم، وليس قيمته الرقمية فقط.
وأكد أن تقييم مستوى المعيشة لا ينبغي أن يعتمد على حجم الراتب المكتوب في كشف المرتبات، وإنما على قدرته الفعلية على توفير احتياجات الأسرة، موضحًا أن ارتفاع الأجور بنسبة معينة لا يعني تحسن الأحوال المعيشية إذا كانت الأسعار ترتفع بوتيرة أسرع، لأن النتيجة النهائية تكون تراجعًا في القوة الشرائية للدخل.
وأشار إلى أن هذا المفهوم يفسر شعور كثير من المواطنين بأن دخولهم لم تعد تكفي كما كانت في السابق، مؤكدًا أن المشكلة ليست في قيمة الراتب بحد ذاته، وإنما في قيمة ما يستطيع هذا الراتب شراءه بعد الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها أسعار السلع والخدمات.
قراءة المؤشرات الاقتصادية تكشف الصورة الكاملة
وأوضح أحمد أشرف أن فهم هذه الظاهرة يتطلب قراءة متكاملة للمؤشرات الاقتصادية التي شهدها الاقتصاد المصري خلال الفترة من 2020 إلى 2025، وعدم الاكتفاء بالنظر إلى الأجور بصورة منفصلة.
وأشار إلى أن الاقتصاد المصري حقق معدل نمو بلغ 3.6% خلال عام 2020 رغم تداعيات جائحة كورونا، ثم سجل 3.3% في عام 2021، قبل أن يرتفع إلى 6.6% خلال عام 2022 مدفوعًا بتعافي العديد من القطاعات الاقتصادية، إلا أن وتيرة النمو عادت للتباطؤ لتسجل نحو 3.8% في عام 2023، ثم نحو 2.4% في عام 2024، مع توقعات بتحسنها مجددًا خلال عام 2025.
وفي المقابل، أوضح أن معدلات التضخم شهدت ارتفاعات غير مسبوقة، حيث بلغت 5.7% في عام 2020، ثم 4.5% في عام 2021، قبل أن تقفز إلى 13.9% خلال عام 2022، ثم إلى 33.6% في عام 2023، واستقرت عند نحو 28.1% خلال عام 2024، قبل أن تبدأ في التراجع تدريجيًا خلال عام 2025.
وأضاف أن البنك المركزي المصري اتجه خلال هذه الفترة إلى تشديد السياسة النقدية لمواجهة الضغوط التضخمية، حيث ارتفع سعر الفائدة الأساسي من 8.25% في عامي 2020 و2021 إلى 16.25% في عام 2022، ثم إلى 19.25% خلال عام 2023، وصولًا إلى 27.25% في عام 2024، قبل أن يبدأ مسارًا نزوليًا مع انحسار الضغوط التضخمية.
وأكد أن قراءة هذه المؤشرات بصورة منفصلة قد تؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة، بينما تكشف قراءتها مجتمعة أن تباطؤ النمو الاقتصادي بالتزامن مع الارتفاع الكبير في معدلات التضخم أدى إلى ضغوط متزايدة على دخول الأسر، حتى مع الزيادات الاسمية في الأجور.
وأضاف أن المواطن لا يقارن راتبه بما كان يتقاضاه قبل سنوات، وإنما بما يستطيع شراءه اليوم، وهو ما يفسر شعور الكثيرين بأن الراتب ينفد قبل نهاية الشهر نتيجة اتساع الفجوة بين سرعة ارتفاع الأسعار ومعدلات نمو الدخول.
الدخل الحقيقي... المؤشر الأكثر دقة لقياس مستوى المعيشة
وأكد أحمد أشرف أن أغلب المواطنين يتابعون أخبار زيادة الرواتب والحد الأدنى للأجور باهتمام، بينما ينظر الاقتصاديون إلى مؤشر أكثر أهمية يتمثل في "الدخل الحقيقي"، باعتباره المعيار الذي يقيس كمية السلع والخدمات التي يستطيع الراتب شراءها بعد احتساب أثر التضخم.
وأوضح أن الدخل الاسمي يعبر عن قيمة الراتب بالأرقام، أما الدخل الحقيقي فيعكس القوة الشرائية الفعلية لهذا الراتب، ولذلك قد تبدو الزيادة في الأجور مؤشرًا إيجابيًا، لكنها لا تعني بالضرورة تحسن مستوى المعيشة إذا كانت أسعار السلع والخدمات ترتفع بوتيرة أسرع.
وأشار إلى أن هذا المفهوم يفسر جانبًا كبيرًا من شعور المواطنين بأن دخولهم لم تعد تكفي كما كانت في السابق، لأن تكلفة الحفاظ على المستوى نفسه من المعيشة ارتفعت بمعدلات تفوق نمو الأجور، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الدخل والاحتياجات الأساسية.
وأضاف أن تقييم مستوى المعيشة لا يعتمد على قيمة الراتب المكتوبة في كشف المرتبات، وإنما على ما يستطيع هذا الراتب توفيره من غذاء وسكن وتعليم ورعاية صحية ومواصلات وبقية الاحتياجات اليومية.
عندما ترتفع تكلفة الحياة أسرع من الدخل
وأشار أحمد أشرف إلى أن بيانات الاقتصاد الكلي تكشف أن موجات التضخم خلال الأعوام الأخيرة لم تؤثر على جميع السلع والخدمات بالدرجة نفسها، بل تركزت بصورة أكبر في البنود التي تمثل النصيب الأكبر من إنفاق الأسرة المصرية، وعلى رأسها الغذاء والسكن والطاقة والنقل والتعليم.
وأوضح أن هذه هي المشكلة الأساسية، لأن الأسرة حتى إذا حافظت على إجمالي إنفاقها، فإنها تضطر إلى إعادة توزيع هذا الإنفاق، بحيث يذهب الجزء الأكبر إلى الاحتياجات الأساسية على حساب الادخار أو الترفيه أو شراء السلع المعمرة.
وأكد أن هذا التحول يعد من أبرز التغيرات الاقتصادية التي شهدتها الأسر المصرية خلال السنوات الأخيرة، حيث لم يعد الهدف من إدارة الدخل تحسين مستوى المعيشة أو زيادة المدخرات، وإنما الحفاظ على الحد الأدنى من نمط الحياة في ظل استمرار ارتفاع تكلفة المعيشة.
كيف تغيرت أولويات إنفاق الأسرة المصرية؟
وأوضح أحمد أشرف أن أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تشير إلى أن متوسط إنفاق الأسرة المصرية تجاوز متوسط دخلها السنوي وفق آخر بحث للدخل والإنفاق والاستهلاك، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجه ميزانيات الأسر.
وأضاف أن الغذاء والمشروبات والسكن ومستلزماته والنقل والتعليم والرعاية الصحية تستحوذ على النصيب الأكبر من الإنفاق، وهي بنود يصعب الاستغناء عنها أو تأجيلها.
وأكد أن هذه التركيبة تجعل تأثير التضخم أكثر حدة على الأسرة المصرية، لأن الجزء الأكبر من الدخل يوجه إلى احتياجات أساسية لا يمكن خفضها بسهولة، وهو ما يدفع الأسر إلى تقليص الإنفاق الاختياري وتأجيل بعض المشتريات أو البحث عن وسائل تمويل بديلة للحفاظ على مستوى معيشتها.








