أحمد أشرف يكتب: مبادلة الأصول لتسوية الديون الحكومية.. حل مالي مستدام أم مجرد مناورة دفترية؟
بقلم: أحمد أشرف
تُشكل أزمة "التشابكات المالية" بين الهيئات والوزارات الحكومية أحد أعقد الملفات المزمنة في الاقتصاد العام، حيث تتشابك مديونيات ضخمة بمليارات الجنيهات بين جهات الدولة (كالكهرباء، البترول، المالية، النقل، والإعلام)، مع تراكم مستمر لفوائد التأخير المركبة التي تُربك الموازنات وتعيق الأداء المالي.
في هذا الإطار، طُرحت تجربة تسوية ديون مبنى التلفزيون المصري (ماسبيرو) التاريخية مع بنك الاستثمار القومي كنموذج رائد؛ حيث تم إسقاط الفوائد الدفترية ونقل ملكية محفظة من الأراضي والمقار غير المستغلة للبنك مقابل شطب المديونية.
ومع نجاح هذه الآلية دفترياً، تصاعدت المقترحات الاقتصادية لتعميم نموذج "مبادلة الأصول بالديون" كحل شامل لإنهاء كافة النزاعات المالية البينية في الجهاز الإداري للدولة.
غير أن التقييم الاقتصادي المجرد لهذا المقترح يفرض وزناً دقيقاً لمكاسبه ومخاطره قبل تعميمه:
أولاً: أسباب قبول وجدوى المقترح
* تنظيف الدفاتر والميزانيات العامة: إيقاف عداد الفوائد التأخيرية والغرامات الدفترية المركبة التي تضخم أرقام العجز دون أن تعبر عن تدفقات نقدية حقيقية.
* حصر الأصول المهدرة: إجبار المؤسسات على جرد "أصولها الميتة" (أراضٍ فضاء، مقار ومخازن مهجورة) وإعادة إدخالها في الدورة الاقتصادية بدلاً من تركها للتآكل والإهلاك.
* إنهاء النزاعات الإدارية والقضائية: تصفية القضايا المعلقة والتحكيمات بين قطاعات الدولة لتمكينها من التركيز على مهامها التشغيلية.
ثانياً: أسباب الرفض والمخاطر الهيكلية
* فخ "الخطر الأخلاقي" وتكرار العجز (Moral Hazard): تسوية الديون بالأصول تعالج أعباء الماضي لكنها لا توقف نزيف المستقبل. فإذا استمرت الجهة المدينة في تحقيق خسائر تشغيلية وسوء إدارة، فستتراكم عليها ديون جديدة بعد سنوات قليلة دون أن تجد أصولاً أخرى للتنازل عنها.
* تحويل الجهات الدائنة إلى "مقابر للأصول الراكدة": الجهات الدائنة (مثل قطاعات الطاقة أو البنوك التنموية) تحتاج إلى سيولة نقدية فورية لشراء الوقود والصيانة وسداد الالتزامات، ونقل أراضٍ إليها يحرمها من الكاش ويورطها في أنشطة تطوير وبيع عقاري لا تقع ضمن اختصاصاتها.
* معضلات التقييم العادل: تفاوت تقديرات اللجان لقيم الأصول بين السعر الدفتري والسوقي، مما قد يفتح باباً لبخس حقوق طرف لصالح آخر.
ثالثاً: الشروط الإلزامية لنجاح واستدامة النموذج
لكي لا تتحول عمليات المبادلة إلى مجرد "نقل أرقام بين جيوب الدولة"، يجب ربط تطبيق المقترح بحزمة اشتراطات صارمة:
* كيان مركزي لإدارة الأصول والتسييل: حظر تسليم الأصول للجهة الدائنة مباشرة؛ بل تُنقل إلى صندوق مصر السيادي أو شركات متخصصة لإعادة طرحها وتطويرها وتسييلها نقدياً لصالح الجهة الدائنة.
* إعادة هيكلة تشغيلية مشروطة (Conditionality): إلزام أي جهة مدينة تطلب إسقاط ديونها بتقديم خطة معتمدة لوقف العجز التشغيلي وترشيد الإنفاق، مع ربط استمرار قياداتها بتحقيق التوازن المالي.
* قصر التسوية على الأصول الرأسمالية الفائضة: منع التنازل عن أي أصل تشغيلي أو مدر للدخل، لضمان عدم تجريد المؤسسات من أدواتها الإنتاجية.
إن مبادلة الأصول لتسوية الديون خطوة ضرورية لغلق ملفات الماضي، لكنها تظل بلا جدوى إن لم تقترن بإصلاح حقيقي يمنع توليد ديون جديدة في المستقبل.








