أحمد أشرف يكتب: هل تدفع شركات التطوير العقاري الضريبة العقارية مرتين؟
بقلم/ أحمد أشرف محاسب وخبير ضرائب
قراءة قانونية في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل السوق العقاري
في الوقت الذي تتجه فيه الدولة إلى دعم الاستثمار العقاري باعتباره أحد أهم محركات الاقتصاد المصري، لا يزال هناك ملف يثير جدلًا واسعًا بين المطورين العقاريين، والمحاسبين، والمستشارين الضريبيين، وهو: هل تخضع شركات التطوير العقاري للضريبة العقارية على الوحدات التي تمتلكها ضمن نشاطها؟
السؤال يبدو بسيطًا، لكن الإجابة ليست كذلك.
فالخلاف لا يدور حول نص قانوني واحد، بل حول فلسفة الضريبة ذاتها، وطبيعة نشاط شركات التطوير العقاري، وحدود التفرقة بين العقار باعتباره "وعاءً للضريبة" والعقار باعتباره "بضاعة" أو "مخزونًا" داخل منشأة تجارية.
وجهة النظر الأولى: نعم.. الضريبة العقارية مستحقة
أنصار هذا الاتجاه يستندون إلى أن قانون الضريبة على العقارات المبنية لم يفرق بين مالك وآخر، ولم ينص على إعفاء عام لشركات التطوير العقاري أو شركات الاستثمار العقاري.
فالقانون يفرض الضريبة على العقارات المبنية متى كانت مستوفية لشروط الخضوع، بصرف النظر عن كون المالك فردًا أو شركة أو شخصًا اعتباريًا.
كما أن تعديلات عام 2026، رغم ما حملته من تيسيرات مثل الإقرار الموحد، والحوافز للممولين الملتزمين، والتوسع في الخدمات الإلكترونية، لم تتضمن نصًا يعفي شركات التطوير العقاري من الضريبة العقارية.
ويضيف أصحاب هذا الرأي أن الإعفاءات في القانون وردت على سبيل الحصر، ولا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها، وبالتالي فإن أي إعفاء يجب أن يكون بنص صريح، وهو ما لا يتوافر بالنسبة لشركات التطوير العقاري.
وجهة النظر الثانية: لا.. لأن ذلك يؤدي إلى ازدواج ضريبي
في المقابل، يرى كثير من المطورين العقاريين وعدد من المتخصصين أن إخضاع الوحدات المعدة للبيع للضريبة العقارية يتعارض مع طبيعة نشاط شركات التطوير العقاري.
فالوحدات التي تبنيها الشركة ليست عقارات محتفظًا بها للاستغلال، وإنما تمثل مخزون نشاط (Inventory) تمامًا مثل البضائع لدى أي شركة تجارية.
وبالتالي، فإن الشركة تحقق أرباحها عند بيع هذه الوحدات، وتخضع تلك الأرباح بالفعل لضريبة الدخل، بينما تتحمل أيضًا ضريبة القيمة المضافة على بعض الخدمات والأنشطة المرتبطة بالمشروع بحسب الأحوال، فضلاً عن رسوم التنمية ورسوم التراخيص وغيرها من الالتزامات المالية.
ومن ثم يتساءل المطورون: هل من المنطقي أن تُفرض ضريبة عقارية سنوية على مخزون معد للبيع قبل أن يحقق أي إيراد؟
ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن فرض الضريبة العقارية على وحدات لم تُبع بعد يزيد من تكلفة التمويل ويرفع تكلفة الاحتفاظ بالمخزون وقد يدفع الشركات إلى تحميل هذه التكلفة على سعر البيع النهائي وهو ما ينعكس في النهاية على المشتري.
أين تكمن نقطة الخلاف؟
في الحقيقة، لا يتعلق الخلاف بوجود الضريبة من عدمه وإنما بتوصيف العقار.
فإذا كان العقار يمثل أصلًا استثماريًا تحتفظ به الشركة لتأجيره أو استغلاله، فإن كثيرين يرون أن خضوعه للضريبة العقارية يتفق مع فلسفة القانون.
أما إذا كان العقار يمثل مخزونًا معدًا للبيع في إطار النشاط المعتاد للشركة، فإن الجدل يثور حول مدى اتساق إخضاعه للضريبة مع الطبيعة الاقتصادية لهذا المخزون.
وهنا تظهر أهمية التفرقة المحاسبية بين:
الأصول الثابتة.
العقارات الاستثمارية.
مخزون النشاط.
فلكل منها معالجة محاسبية وضريبية مختلفة، وقد ينعكس هذا التوصيف على طريقة النظر إلى الالتزام الضريبي.
ماذا عن المادة 46 من قانون الضريبة على الدخل؟
كثيرًا ما يُستشهد بالمادة 46 باعتبارها دليلًا على عدم خضوع عقارات الشركات.
إلا أن القراءة الدقيقة للنص توضح أنها تعالج ضريبة الدخل، إذ تقرر أن أحكام إيرادات الثروة العقارية لا تسري على العقارات الداخلة ضمن أصول المنشأة، وأن إيراداتها تعامل ضمن أرباح النشاط.
لكن هذه المادة لا تنص صراحة على إعفاء تلك العقارات من الضريبة العقارية، وهو ما يجعل الاستناد إليها وحدها لإثبات الإعفاء محل نقاش قانوني.
هل يحتاج القانون إلى تدخل تشريعي؟
في تقديري، نعم.
فإذا كان هدف الضريبة العقارية هو فرض ضريبة على العقارات التي تحقق منفعة اقتصادية مستمرة لمالكها، فإن الأمر يختلف بالنسبة للوحدات التي تمثل مخزونًا تجاريًا معدًا للبيع والتي لا تحتفظ بها الشركة للاستثمار طويل الأجل، بل تسعى إلى تصريفها في السوق.
ومن ثم، قد يكون من المناسب أن يتدخل المشرع بنص واضح يحسم الجدل، ويحدد موقف الوحدات المدرجة كمخزون لدى شركات التطوير العقاري، منعًا لتضارب التفسيرات وتحقيقًا للاستقرار الضريبي.
الخلاصة
القول بأن جميع شركات التطوير العقاري معفاة من الضريبة العقارية ليس دقيقًا، كما أن القول بخضوع جميع العقارات التي تمتلكها هذه الشركات دون تمييز يثير تساؤلات عملية واقتصادية مشروعة.
ويبقى الفيصل في النهاية هو النص التشريعي الواضح، لأن القضايا التي تمس مليارات الجنيهات من الاستثمارات لا ينبغي أن تظل رهينة لاجتهادات متباينة أو تفسيرات متعارضة.
ولعل المرحلة المقبلة تشهد حواراً أوسع بين المشرع، ومصلحة الضرائب العقارية، واتحاد المطورين العقاريين، للوصول إلى معالجة تحقق التوازن بين حق الدولة في الضريبة، وحق المستثمر في نظام ضريبي واضح وعادل ومستقر.








