من الشعلة إلى القيمة.. استرجاع غازات الشعلة يعزز كفاءة المصافي ويخفض الانبعاثات
كيف يمكن للمصافي تحويل غازات الشعلة من فاقد هيدروكربوني إلى مورد يضيف قيمة اقتصادية؟
كتبت/شهد ابراهيم
تُمثل الشعلة في المصافي والمنشآت البترولية أحد أهم أنظمة الأمان، إذ توفر وسيلة موثوقة وآمنة للتخلص من الغازات القابلة للاشتعال خلال حالات الطوارئ واضطرابات التشغيل. ولذلك، فإن الهدف ليس إلغاء الشعلة، وإنما تقليل عمليات الحرق الروتيني والوصول إلى مفهوم صفر حرق روتيني (Zero Routine Flaring)، مع الحفاظ على جاهزية الشعلة لأداء دورها الأساسي كحاجز أمان.
وفي هذا السياق، يبرز استرجاع غازات الشعلة كأحد الحلول التي تجمع بين الأهداف التشغيلية والاقتصادية والبيئية، من خلال تحويل الغازات التي كان يتم التخلص منها بالحرق إلى مورد يمكن الاستفادة منه داخل المصفاة.
الشعلة نظام أمان لا يمكن الاستغناء عنه
تؤدي الشعلة وظيفة أساسية في حماية المصافي والمنشآت البترولية، خاصة خلال حالات الطوارئ أو عند حدوث اضطرابات مفاجئة في عمليات التشغيل، حيث تتيح التخلص الآمن من الغازات القابلة للاشتعال ومنع تراكمها داخل وحدات الإنتاج.
ومن ثم، فإن الوصول إلى صفر حرق روتيني لا يعني إلغاء الشعلة أو تعطيلها، وإنما يستهدف الحد من استخدامها في عمليات الحرق المستمر أو الروتيني، مع إبقائها جاهزة للتعامل مع الحالات التي تتطلب تشغيلها كجزء من منظومة السلامة.
استرجاع غازات الشعلة يحول الفاقد إلى قيمة
تحتوي غازات الشعلة في كثير من الحالات على مكونات هيدروكربونية تتمتع بقيمة حرارية، وهو ما يجعل حرقها بصورة مستمرة يمثل فقدًا لمورد يمكن الاستفادة منه في عمليات المصفاة.
وتعمل أنظمة استرجاع غازات الشعلة (Flare Gas Recovery System - FGRS) على جمع الغازات من شبكة الشعلة، ثم ضغطها ومعالجتها وإعادتها إلى منظومة الوقود أو توجيهها إلى وحدات تشغيل مناسبة، وفقًا لتركيب الغاز وظروف التشغيل ومتطلبات المنشأة.
وبهذه الطريقة، يمكن للمصفاة تقليل كمية الغاز التي تصل إلى الشعلة للحرق الروتيني، والاستفادة من الجزء المسترجع في تلبية احتياجاتها التشغيلية.
خفض استهلاك الوقود والانبعاثات
يسهم استرجاع غازات الشعلة في خفض استهلاك الوقود داخل المصفاة، من خلال إعادة استخدام جزء من الغازات المسترجعة بدلًا من الاعتماد على كميات إضافية من الوقود لتشغيل الأفران والغلايات.
كما يؤدي تقليل عمليات الحرق إلى خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن احتراق الهيدروكربونات، إلى جانب تقليل الفاقد من الموارد الهيدروكربونية.
ولا تقتصر المكاسب على الجانب البيئي، إذ يمكن أن يؤدي تحسين استخدام الغاز المسترجع إلى رفع كفاءة الطاقة داخل المنشأة وتحسين الاستفادة من الموارد المتاحة.
غازات الشعلة مورد اقتصادي للمصفاة
تتجاوز أهمية استرجاع غازات الشعلة الجانب البيئي لتصل إلى تحقيق قيمة اقتصادية مباشرة، إذ يمكن التعامل مع الغاز المسترجع باعتباره موردًا يمكن إعادة إدخاله في منظومة التشغيل بدلًا من فقده من خلال الاحتراق.
وكلما ارتفعت كفاءة منظومة الاسترجاع، زادت قدرة المصفاة على الاستفادة من الهيدروكربونات التي كانت تُفقد سابقًا، وهو ما قد ينعكس على كفاءة استهلاك الطاقة وتكاليف التشغيل.
وبالتالي، فإن تقليل الحرق الروتيني لا يمثل فقط استجابة لمتطلبات خفض الانبعاثات، بل يمكن أن يكون جزءًا من استراتيجية لتحسين اقتصاديات تشغيل المصافي.
تصميم منظومة استرجاع غازات الشعلة يحتاج إلى دراسة دقيقة
يتطلب تطبيق نظام استرجاع غازات الشعلة إجراء دراسات فنية دقيقة قبل التنفيذ، تشمل معدلات تدفق الغاز وتركيبه وضغوط التشغيل وظروف العملية المختلفة، بالإضافة إلى السيناريوهات المرتبطة بحالات الطوارئ.
وتكتسب هذه الدراسات أهمية خاصة لضمان عدم تأثير منظومة الاسترجاع على الوظيفة الأساسية للشعلة، وهي توفير مسار آمن للتخلص من الغازات خلال الحالات التي تستدعي ذلك.
كما يجب أن يكون النظام قادرًا على التعامل مع التغيرات المفاجئة في الأحمال والضغوط، مع مراعاة متطلبات السلامة والموثوقية في مختلف ظروف التشغيل.
التكامل بين التشغيل والهندسة والسلامة ضرورة أساسية
نجاح مشروعات استرجاع غازات الشعلة لا يعتمد على المعدات وحدها، وإنما يتطلب تكاملًا بين فرق التشغيل والهندسة والتحكم والسلامة.
ويشمل ذلك تصميم منظومة تحكم قادرة على التعامل مع التغيرات في تدفقات الغاز وضغوط الشبكة، إلى جانب ضمان استمرار عمل الشعلة بكفاءة خلال الحالات الطارئة، وعدم السماح لمنظومة الاسترجاع بالتأثير في قدرة نظام الأمان على الاستجابة.
ويمثل هذا التكامل عنصرًا رئيسيًا لتحقيق التوازن بين الاستفادة الاقتصادية من الغاز المسترجع والحفاظ على أعلى مستويات السلامة التشغيلية.
Zero Routine Flaring.. من خفض الانبعاثات إلى كفاءة الموارد
يمثل الوصول إلى Zero Routine Flaring توجهًا يتجاوز مجرد خفض الانبعاثات، إذ يفتح المجال أمام إعادة تقييم طريقة إدارة موارد المصفاة واستخدام الطاقة المتاحة داخلها.
فكل وحدة من الغاز يمكن استرجاعها وإعادة استخدامها بدلًا من حرقها تمثل تقليلًا للفقد وتحسينًا في كفاءة استخدام الطاقة واستفادة أكبر من الموارد الهيدروكربونية.
ومن هنا، فإن الطريق نحو صفر حرق روتيني لا يبدأ بإطفاء الشعلة، وإنما بتطوير منظومة تشغيلية قادرة على تقليل الحرق غير الضروري، واستعادة الغازات ذات القيمة، وإعادتها إلى دورة الإنتاج، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الشعلة باعتبارها عنصرًا أساسيًا في منظومة السلامة.








