الغاز في أوروبا يواجه أزمة تخزين جديدة.. المخزونات عند أدنى مستوى مسجل
لماذا تواجه أوروبا صعوبة في تخزين الغاز قبل موسم الشتاء؟
كتبت/شهد ابراهيم
تواجه الغاز في أوروبا تحديًا متزايدًا للعام الثاني على التوالي، بعدما تراجعت الجدوى الاقتصادية لتخزين الوقود خلال فصل الصيف وإعادة بيعه في الشتاء، في ظل تقلص الفارق بين أسعار الغاز في موسمي الصيف والشتاء.
وأدى فقدان إمدادات الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب، التي كانت تتدفق بصورة منتظمة على مدار العام، عقب الحرب في أوكرانيا، إلى زيادة اعتماد القارة على إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية. كما ساهمت المخاوف من شح سوق الغاز الطبيعي المسال في 2025 في ارتفاع الأسعار الأوروبية خلال الصيف في بعض الفترات، وتكرر الوضع خلال العام الجاري مع تفاقم الضغوط نتيجة صراع إيران وانقطاع إمدادات حيوية من الشرق الأوسط.
تراجع جدوى تخزين الغاز في أوروبا
أدى تقلص الفارق بين أسعار الصيف والشتاء إلى جعل ضخ الغاز في مواقع التخزين الضخمة في أوروبا أقل جدوى للتجار التجاريين، وتشمل هذه المواقع حقولًا مستنفدة وطبقات مياه جوفية وكهوفًا ملحية قديمة.
ونتيجة لذلك، تتجه القارة إلى موسم التدفئة بمخزون عند أدنى مستوى مسجل على الإطلاق لهذا الوقت من العام، ما يزيد مخاطر حدوث قفزات أكبر في الأسعار خلال الشتاء، في ظل عدم وجود مؤشرات على اختفاء هذه المشكلة قريبًا.
الحكومات الأوروبية تدرس زيادة دورها في التخزين
وتدفع معضلة التخزين بعض الحكومات إلى التفكير في الاضطلاع بدور أكبر في بناء المخزون، خاصة مع استمرار الغاز كوقود انتقالي ضمن التحول الأخضر لسنوات مقبلة، وهو ما قد يفرض أعباء مالية إضافية على خزائن الدول.
وبينما تمتلك أوروبا منذ فترة طويلة احتياطيات نفطية استراتيجية يمكن اللجوء إليها في أوقات الأزمات، فإنها اعتمدت إلى حد كبير في الغاز على المخزون التجاري الذي تحركه أسعار السوق، بدلًا من تدخل الحكومات.
وفي حال ظهور مشكلات إضافية في الإمدادات أو تعرض أوروبا لشتاء شديد البرودة وعدم كفاية المخزونات، فقد تضطر القارة إلى شراء الغاز الطبيعي المسال بأسعار مرتفعة، ما قد يرفع فواتير الطاقة ويزيد الضغوط التضخمية ويؤثر على الاقتصاد.
حرب المنافسة على الغاز المسال تهدد الدول الأكثر فقرًا
وقد تؤدي المنافسة على شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى ضغوط أكبر على الدول الأكثر فقرًا، مثل باكستان، التي تواجه انقطاعات متناوبة للكهرباء بعدما أدت حرب إيران إلى تعطيل الشحنات القادمة من قطر، أكبر مورديها.
ولا يضخ التجار الغاز في مواقع التخزين إلا عندما يكون فارق الأسعار واسعًا بما يكفي لتغطية تكاليف التخزين وتحقيق أرباح، ولذلك قد تضطر الحكومات الراغبة في زيادة المخزونات إلى التدخل لتعويض خسائر التداول المحتملة أو تحمل تكاليف الإمدادات الاستراتيجية.
وبدأت شركات الطاقة والسياسيون والمستشارون في دول مثل ألمانيا وهولندا دراسة إنشاء مخزون استراتيجي بقيادة الحكومات.
مخزونات الغاز الأوروبية عند 71%
وتستطيع منشآت التخزين الضخمة تحت الأرض في الاتحاد الأوروبي استيعاب كميات من الغاز تكفي لتغطية نحو ثلث احتياجاته السنوية، بينما يمكن للإمدادات المخزنة في الأيام الأكثر برودة، عندما يتجاوز الطلب كميات الغاز المنقول عبر الأنابيب والغاز الطبيعي المسال، تلبية أكثر من نصف الاستهلاك اليومي.
لكن مخزونات الغاز في أوروبا أصبحت عند أسوأ مستوى على الإطلاق منذ بدء تسجيل البيانات في 2009، إذ تبلغ نسبة امتلاء مواقع التخزين الأوروبية نحو 71%، مقارنة بمتوسط موسمي يبلغ نحو 87%.
وفي ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، تبلغ نسبة امتلاء المخزونات 57% فقط.
ارتفاع أسعار الغاز يزيد صعوبة التخزين التجاري
بلغت أسعار الغاز مؤخرًا أعلى مستوياتها منذ 2022، في أعقاب مشكلات الإمدادات المرتبطة بمضيق هرمز، الذي تمر عبره عادة خمس تدفقات الغاز الطبيعي المسال العالمية.
وفي مرحلة ما خلال مارس، كان شراء الغاز في الصيف لبيعه في الشتاء سيؤدي إلى خسارة تتجاوز 8 يوروهات، بما يعادل 9.10 دولار، لكل ميغاواط/ساعة، وذلك قبل احتساب رسوم التخزين.
ومنذ ذلك الحين تقلص الفارق، إلا أن عقود أكتوبر القريبة الأجل ما زالت أعلى قليلًا من العقود المستقبلية للشتاء، بينما يجري تداول عقود الغاز لشهر مايو 2027 حاليًا بعلاوة سعرية مقارنة بأسعار عقود نوفمبر التالي.
12 مليار متر مكعب احتياطيات استراتيجية في 9 دول
تمتلك 9 دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي بالفعل احتياطيات استراتيجية من الغاز، بلغ إجماليها نحو 12 مليار متر مكعب حتى العام الماضي، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية.
ويمثل هذا الرقم نحو 12% فقط من إجمالي سعة التخزين في التكتل، ولا يكفي إلا لتغطية نحو 13 يومًا من متوسط استهلاك الغاز، بينما تتجاوز مخزونات النفط الاستراتيجية في بعض الاقتصادات الكبرى في الاتحاد الأوروبي ما يعادل 80 يومًا من صافي الواردات.
ألمانيا تخطط لتطوير احتياطي غاز استراتيجي
أنشأت بعض دول الاتحاد الأوروبي، مثل النمسا، احتياطيات استراتيجية من الغاز خلال ذروة الأزمة التي أشعلها الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022، بينما بدأت دول أخرى، مثل إيطاليا، في إنشاء احتياطياتها قبل ذلك.
ولا تمتلك ألمانيا حاليًا احتياطيات استراتيجية، لكنها تخطط لبدء تطويرها في 2027، بما يعادل نحو 10% من سعة التخزين الوطنية لديها، على أن يستخدم هذا المخزون عادة خلال حالات النقص الحاد والحرجة قصيرة الأجل.
وتستخدم فرنسا حوافز حكومية لدعم التخزين التجاري منذ عدة سنوات، كما تستخدم إيطاليا الأدوات نفسها.
150 مليار متر مكعب سعة التخزين تحت الأرض
تمتلك القارة نحو 150 مليار متر مكعب من سعة التخزين تحت الأرض، يقع نحو 70% منها في الاتحاد الأوروبي.
وبالمقارنة، لا تملك منطقة آسيا والمحيط الهادئ، التي تنافس أوروبا بقوة على شحنات الغاز الطبيعي المسال، سوى نحو 38 مليار متر مكعب، معظمها في الصين، إذ تعتمد المنطقة بدرجة أكبر على تخزين الغاز الطبيعي المسال في خزانات، بحسب وكالة الطاقة الدولية.
مستهدفات الاتحاد الأوروبي لتخزين الغاز
وضع الاتحاد الأوروبي مستهدفات للتخزين قبل 4 سنوات لضمان الإمدادات، وبموجب أحدث المستهدفات الممتدة حتى 2027، يفترض أن تكون مواقع التخزين ممتلئة بنسبة 90% في أي وقت بين أكتوبر وديسمبر.
ويمكن خفض هذا المستوى إلى 80% خلال «الظروف الصعبة»، وحتى 75% في حال وجود تحديات «مستمرة».
وفي ألمانيا، التي تمتلك أكبر سعة تخزين في الاتحاد الأوروبي، يقل المخزون عن مستوياته المعتادة حتى في المواقع الأكثر ربحية.
ويشمل ذلك موقع إيبه، أحد أكبر مواقع التخزين في الكهوف الملحية في العالم، والواقع بالقرب من الحدود الهولندية، وتديره شركات كبرى من بينها «يونيبر» و«آر دبليو إي».
وتبلغ نسبة الامتلاء في منشأة «إيبه يونيبر إتش غاز» 79% من سعتها، وهي جزء من المجمع وتحتوي حاليًا على أكبر كمية من الغاز بين وحدات التخزين التابعة لـ«يونيبر»، إلا أن هذه النسبة تقل كثيرًا عن متوسط السنوات الخمس.
شركات ألمانية تطلب إخراج منشآت تخزين من الخدمة
وفي مؤشر على الصعوبات التي تواجه سوق التخزين في ألمانيا، تقدمت شركتا «يونيبر» الحكومية و«بايرنغز» بطلبات لإخراج اثنتين من منشآت تخزين الغاز التابعة لهما من الخدمة في العام المقبل.
وأكدت ألمانيا مرارًا أنها لن تتدخل بشكل مباشر لتأمين الإمدادات خلال العام الجاري، بعدما أنفقت مليارات اليوروهات على شراء الغاز للمخزونات في ذروة الأزمة خلال 2022، لكنها أجرت محادثات مع شركات طاقة مملوكة للدولة بشأن دعم جهود التخزين.








