نقص الغاز في بريطانيا يهدد بأزمة وقود خلال الشتاء.
هل يقود نقص الغاز في بريطانيا إلى أزمة طاقة خلال الشتاء المقبل؟
كتبت/شهد ابراهيم
تواجه بريطانيا مخاوف متزايدة بشأن إمدادات الغاز خلال فصل الشتاء المقبل، في ظل انخفاض مستويات التخزين إلى مستويات تاريخية، بالتزامن مع اضطرابات سوق الغاز العالمية وارتفاع الأسعار، ما يضع أمن الطاقة البريطاني أمام اختبار جديد مع اقتراب موسم الطلب المرتفع على التدفئة.
وتصاعدت التحذيرات خلال الأيام الأخيرة بعدما قال كريس أوشي، الرئيس التنفيذي لشركة سنتريكا المالكة لـ«بريتيش غاز»، إن بريطانيا لديها «تقريبًا لا يوجد غاز» مخزن لفصل الشتاء المقبل، معتبرًا أن الوضع يمثل مصدر قلق كبير لأمن الطاقة والأمن القومي.
مخزونات الغاز البريطانية عند مستويات منخفضة
أظهرت أحدث البيانات أن منشآت تخزين الغاز في بريطانيا تعمل بنحو 30% من طاقتها، مقارنة بنحو 46% في الفترة نفسها من العام الماضي، بينما تجاوزت مستويات التخزين 90% خلال العامين السابقين.
وتشير بيانات أخرى إلى وجود نحو 9356.6 جيجاوات ساعة من الغاز المخزن، مقابل 13635 جيجاوات ساعة في الفترة نفسها من العام الماضي، ما يعكس انخفاضًا ملحوظًا في المخزونات قبل بدء موسم الشتاء.
ويزيد هذا الوضع من حساسية السوق البريطانية تجاه أي اضطرابات مفاجئة في الإمدادات أو ارتفاع حاد في الطلب، خاصة خلال فترات الطقس البارد التي ترتفع فيها احتياجات الأسر ومحطات توليد الكهرباء من الغاز.
بريطانيا تعتمد بصورة كبيرة على واردات الغاز
ويعود جانب من المخاوف المرتبطة بـنقص الغاز في بريطانيا إلى محدودية قدرات التخزين المحلية، إذ تستطيع البلاد تخزين ما يعادل نحو 5% فقط من إجمالي الطلب السنوي على الغاز، ما يجعلها أكثر اعتمادًا على الإمدادات القادمة من الخارج.
ويمثل الغاز الطبيعي نحو ثلث مزيج الطاقة في بريطانيا، بينما يأتي أقل من نصف احتياجات الغاز من الإنتاج المحلي، وفق البيانات المتاحة، في حين تعتمد البلاد على مزيج من الإنتاج من بحر الشمال، والإمدادات عبر خطوط الأنابيب، والغاز الطبيعي المسال، والربط مع الأسواق الأوروبية.
«سنتريكا» تطالب بإعادة تطوير منشأة Rough
وفي مواجهة أزمة التخزين، دعت شركة سنتريكا الحكومة البريطانية إلى دعم إعادة تطوير منشأة Rough لتخزين الغاز في بحر الشمال.
وأعلنت الشركة استعدادها لاستثمار نحو 2 مليار جنيه إسترليني من أموال المساهمين في إعادة تطوير المنشأة، شريطة توفير إطار تنظيمي مناسب يسمح بتنفيذ المشروع.
وتكتسب منشأة Rough أهمية خاصة في منظومة تخزين الغاز البريطانية، إذ تمثل نحو نصف قدرة التخزين في البلاد، ما يجعل إعادة تشغيلها وتطويرها أحد الخيارات المطروحة لتعزيز أمن الإمدادات قبل المواسم المقبلة.
الحكومة البريطانية: لا تهديد فوري لإمدادات الغاز
ورغم التحذيرات الصادرة عن قطاع الطاقة، تؤكد الحكومة البريطانية أنها لا ترى تهديدًا فوريًا أو متوقعًا لأمن إمدادات الغاز.
وأوضحت وزارة أمن الطاقة وصافي الانبعاثات أن بريطانيا تمتلك مزيجًا متنوعًا من مصادر الطاقة، يشمل الإنتاج المحلي من بحر الشمال، وخطوط الأنابيب مع النرويج، والربط الكهربائي مع أوروبا، إلى جانب ثلاث محطات لاستقبال الغاز الطبيعي المسال.
وأكدت الحكومة أن مستقبل منشأة Rough قرار تجاري يعود إلى شركة سنتريكا، لكنها أبقت الباب مفتوحًا أمام مناقشة مقترحات تخزين الغاز إذا ثبت أنها تحقق قيمة مناسبة مقابل أموال دافعي الضرائب.
اضطرابات الأسواق العالمية تزيد الضغوط
وتأتي مخاوف نقص الغاز في بريطانيا في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة الأوروبية ضغوطًا متزايدة نتيجة اضطرابات الإمدادات العالمية والتوترات الجيوسياسية.
وتراجعت مستويات تخزين الغاز الأوروبية إلى نحو 63% من الطاقة الاستيعابية في أواخر أغسطس، مقابل متوسط حديث يقارب 80%، ما يزيد مخاوف الأسواق بشأن قدرة القارة على بناء مخزونات كافية قبل الشتاء.
كما أدت اضطرابات إمدادات الغاز الطبيعي المسال المرتبطة بمنطقة الخليج ومضيق هرمز إلى زيادة حالة عدم اليقين في الأسواق، في الوقت الذي تواجه فيه أوروبا منافسة على شحنات الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية.
ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على الأسر البريطانية
ولا تقتصر تداعيات أزمة الغاز على أمن الإمدادات، إذ بدأت آثار ارتفاع أسعار الطاقة في الظهور بصورة مباشرة على المستهلكين البريطانيين.
وأعلنت هيئة تنظيم الطاقة البريطانية «Ofgem» زيادة سقف أسعار الطاقة للأسر بنسبة 4% اعتبارًا من أكتوبر 2026، لترتفع الفاتورة السنوية المتوسطة إلى نحو 1723 جنيهًا إسترلينيًا، بزيادة قدرها نحو 60 جنيهًا.
وتأتي الزيادة بعد ارتفاع سابق في يوليو، وسط توقعات بأن استمرار ارتفاع أسعار الغاز بالجملة قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط على فواتير الطاقة خلال الأشهر المقبلة.
الشتاء سيكون الاختبار الأصعب لسوق الغاز
ويمثل الشتاء المقبل اختبارًا حقيقيًا لقدرة بريطانيا على إدارة سوق الطاقة في ظل انخفاض المخزونات واعتمادها الكبير على الواردات.
وفي حال جاء الشتاء أكثر برودة من المعتاد أو تعرضت واردات الغاز الطبيعي المسال لمزيد من الاضطرابات، فقد ترتفع المنافسة على الإمدادات وتزداد أسعار الغاز بالجملة، ما ينعكس على تكاليف الكهرباء والتدفئة بالنسبة للأسر والشركات.
وفي المقابل، فإن استمرار تدفق الإمدادات عبر النرويج وخطوط الأنابيب ومحطات الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب تحسن ظروف السوق العالمية، قد يحد من احتمالات حدوث نقص فعلي في الوقود.
نقص الغاز في بريطانيا يضع أمن الطاقة أمام اختبار جديد
وتكشف التطورات الحالية أن نقص الغاز في بريطانيا لا يتعلق فقط بمستويات التخزين، وإنما يعكس تحديًا أوسع مرتبطًا بمدى اعتماد البلاد على الأسواق الخارجية وقدرتها على تأمين الإمدادات في أوقات ارتفاع الطلب.
ويؤكد قطاع الطاقة أن تعزيز قدرات التخزين وتطوير البنية التحتية للغاز يمكن أن يمنح بريطانيا مرونة أكبر في مواجهة تقلبات الأسواق العالمية.
ومع اقتراب الشتاء، ستظل مستويات التخزين وأسعار الغاز وتدفقات الغاز الطبيعي المسال والإمدادات القادمة من النرويج من أبرز المؤشرات التي ستحدد مدى قدرة بريطانيا على تجنب أزمة طاقة جديدة خلال موسم الطلب المرتفع.








