إيناس العدوي تكتب: أحمد موقع.. عندما تتحول إدارة الأصول إلى صناعة قيمة مضافة

بقلم: إيناس العدوي

إيناس العدوي تكتب: أحمد موقع.. عندما تتحول إدارة الأصول إلى صناعة قيمة مضافة
الكاتبة الصحفية/ إيناس العدوي

في قطاع البترول، لا تُقاس نجاحات القيادات بعدد القرارات التي تُتخذ، وإنما بما تتركه هذه القرارات من أثر مستدام على الإنتاج، والتكاليف، وكفاءة الأصول، والأسواق، وقدرة الشركة على مواجهة تحديات المستقبل.

ومن هذا المنظور، تبدو تجربة الكيميائي أحمد موقع، رئيس شركة البتروكيماويات المصرية، جديرة بالتوقف أمامها، ليس باعتبارها تجربة إدارة تقليدية لشركة صناعية، وإنما كنموذج لمحاولة إعادة صياغة دور الشركة من مجرد منتج للبتروكيماويات إلى كيان أكثر قدرة على تعظيم القيمة المضافة، وتوطين الصناعة، والتكامل مع شركات القطاع، والانفتاح على الأسواق الخارجية، والأرقام الأخيرة تقول الكثير.

فخلال العام المالي 2025/2026، بلغ إنتاج الشركة نحو 78 ألف طن من PVC و125 ألف طن من الصودا الكاوية، مع ارتفاع الإنتاجية بنحو 17% وتحقيق وفر مالي يقدر بنحو 120 مليون جنيه. وفي الوقت نفسه ارتفعت صادرات PVC إلى نحو 24 ألف طن، مع فتح أسواق جديدة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية.

لكن الأهم من الأرقام ذاتها هو ما وراء الأرقام.

فزيادة الإنتاج بنسبة 17% لا تعني فقط تشغيل المصانع بكفاءة أكبر، وإنما تعكس فلسفة إدارية تقوم على تعظيم الاستفادة من الأصول القائمة قبل التفكير في إضافة أصول جديدة، وتحويل الصيانة والتطوير من بند إنفاق إلى أداة مباشرة لرفع الإنتاجية وتقليل الفاقد والتكلفة.

وهنا تحديدًا يمكن قراءة أحد أهم ملامح تجربة أحمد موقع.

من الحفاظ على الأصول إلى إعادة توظيفها

الشركة تتحرك في إطار خطة استثمارية تضم نحو 80 مشروعًا وعملية بإجمالي استثمارات يقارب 1.5 مليار جنيه لتطوير وتحديث الأصول ورفع كفاءتها.

وهذه ليست مجرد أرقام استثمارية، بل تعكس توجهًا مهمًا: إعادة بناء القدرة الإنتاجية من الداخل.

ففي قطاع صناعي كثيف رأس المال مثل البتروكيماويات، لا تكون المعادلة دائمًا في إنشاء مصنع جديد، وإنما في السؤال الأصعب: كيف يمكن إطالة العمر الاقتصادي للأصول الحالية؟ وكيف يمكن إعادة تأهيل الوحدات التي كان يمكن أن تخرج من الخدمة؟ وكيف يمكن زيادة العائد من كل طن خام وكل وحدة طاقة وكل ساعة تشغيل؟

هذا النهج ظهر بوضوح في مشروعات إعادة تأهيل وحدات مفاعلات PVC، إلى جانب مشروعات التطوير والإحلال والتجديد، وهو ما يعكس عقلية مختلفة في التعامل مع الأصول الصناعية.

القيمة المضافة.. المعركة الحقيقية

أعتقد أن أهم ما يميز المرحلة الحالية هو أن البتروكيماويات المصرية لم تعد تنظر إلى منتجاتها باعتبارها نهاية سلسلة الإنتاج.

فالـPVC والصودا الكاوية ليسا مجرد منتجين للبيع، وإنما مدخلات لصناعات أخرى، ومن هنا تأتي أهمية التوجه نحو توطين صناعات جديدة تعتمد على منتجات الشركة.

وهذا الاتجاه يكتسب أهمية أكبر مع تحرك الشركة نحو إنتاج أنواع من الـPVC للاستخدامات الطبية، وهو ما يفتح الباب أمام الانتقال من تصدير خام أو منتج أساسي إلى المشاركة في سلاسل قيمة صناعية أكثر تعقيدًا وربحية.

وهنا تكمن النقلة النوعية الحقيقية:
أن تنتقل الشركة من بيع المنتج إلى صناعة منظومة صناعية حول المنتج.

من شركة منتجة إلى مركز للتكامل الصناعي

النقلة الأخرى التي تستحق الإشارة هي مفهوم التكامل داخل قطاع البترول.

فالبتروكيماويات المصرية لا تعمل بمعزل عن الشركات الشقيقة؛ إذ تقدم الكهرباء لشركات مثل سيدبك وجاسكو، والمياه المقطرة لإيثيدكو، كما تقوم بتصنيع مبادلات حرارية لصالح عدد من شركات القطاع، إلى جانب خدمات المعدات والرفع والمعامل والتدريب ومكافحة الحرائق.

وهذا النموذج يحمل دلالة إدارية مهمة: الأصل الذي تمتلكه الشركة لا يجب أن يخدمها وحدها، بل يمكن أن يتحول إلى قيمة مضافة لقطاع كامل.

ومن وجهة نظري، فإن تعظيم هذا التكامل يمكن أن يكون أحد أكبر مصادر النمو المستقبلي للشركة، خصوصًا إذا جرى تحويله من تعاون تشغيلي إلى منظومة اقتصادية متكاملة لها مؤشرات أداء وعوائد واضحة.

التصدير.. من تصريف الفائض إلى بناء أسواق

ارتفاع صادرات PVC إلى نحو 24 ألف طن، مع فتح أسواق في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، يمثل خطوة مهمة، لكن الأهم هو أن تتحول هذه الخطوة إلى استراتيجية تصديرية طويلة الأجل.

فالسوق العالمية لا تبحث فقط عن المنتج الأرخص، وإنما عن المنتج المستقر من حيث الجودة والتوريد والمواصفات والقدرة على الاستمرار.

ومن هنا فإن نجاح البتروكيماويات المصرية في الأسواق الخارجية يجب أن يُبنى على ثلاثة محاور: جودة ثابتة، تكلفة تنافسية، وأسواق متنوعة.

وكلما اتسعت الخريطة التصديرية للشركة، انخفض اعتمادها على سوق واحد، وأصبحت أكثر قدرة على مواجهة تقلبات الطلب والأسعار.

السلامة ليست شعارًا

ومن النقاط التي لا ينبغي أن تمر مرورًا عابرًا أن مؤشرات العام المالي سجلت عدم وقوع وفيات أو إصابات جسيمة أو حرائق، وهو مؤشر مهم في صناعة عالية المخاطر بطبيعتها.

فالسلامة في شركات البتروكيماويات ليست ملفًا إداريًا منفصلًا، بل جزء أصيل من كفاءة التشغيل واستدامة الاستثمار.

وكلما نجحت الإدارة في ترسيخ ثقافة «السلامة أولًا»، فإنها في الحقيقة تحمي العامل، والأصل، والإنتاج، والاستثمار في الوقت نفسه.

هل كانت هذه نقلة نوعية؟

الإجابة من وجهة نظري: نعم، ولكن الأهم أن هذه النقلة يجب أن تتحول إلى مسار مستدام يتجاوز الأشخاص.

فالنجاح الحقيقي لأي قيادة لا يكون في تحقيق نتائج جيدة خلال فترة زمنية محددة فقط، وإنما في بناء منظومة تستطيع مواصلة النجاح بعد تغير القيادات.

وهنا يصبح التحدي المقبل أمام البتروكيماويات المصرية أكبر:
كيف تتحول الـ1.5 مليار جنيه استثمارات إلى قفزة مستدامة في الإنتاج؟
وكيف يتحول فتح الأسواق الخارجية إلى حضور تصديري دائم؟
وكيف تتحول منتجات الشركة إلى قاعدة لإنشاء صناعات جديدة؟
وكيف يمكن توسيع نطاق الـMedical PVC وغيره من المنتجات ذات القيمة المضافة؟
وكيف يمكن الاستفادة من الرقمنة والذكاء الاصطناعي والصيانة التنبؤية لخفض التكاليف وزيادة الاعتمادية؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.

أحمد موقع.. بصمة إدارية تتجاوز الأرقام

في النهاية، قد تتغير القيادات، لكن ما يبقى هو ما تم بناؤه داخل المؤسسة.

والقراءة الموضوعية لتجربة أحمد موقع في البتروكيماويات المصرية تكشف عن محاولة واضحة للانتقال بالشركة من مفهوم «إدارة مصنع» إلى مفهوم أوسع يقوم على إدارة الأصول، وتعظيم القيمة المضافة، وخفض التكلفة، وتوسيع الأسواق، وتعميق التكامل، وتوطين الصناعة.

وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم من نتائج الشركة الأخيرة:
أن النقلة النوعية لا تبدأ دائمًا بمصنع جديد، وإنما قد تبدأ بطريقة مختلفة في النظر إلى المصنع الموجود.

وحين تتحول الأصول القديمة إلى فرص، والمنتجات إلى صناعات، والإمكانات إلى تكامل، والإنتاج إلى أسواق عالمية، تصبح الإدارة قادرة بالفعل على صناعة فارق يتجاوز حدود الأرقام.

وهذا، في تقديري، هو جوهر البصمة التي تركها أحمد موقع في واحدة من أهم شركات صناعة البتروكيماويات المصرية.