حين يسبق الائتمان الدخل.. خبير اقتصادي يقرأ صعود التمويل الاستهلاكي في مصر بين الفرص والمخاطر
أحمد أشرف: التمويل الاستهلاكي لم يعد مجرد وسيلة للشراء بالتقسيط بل أصبح أحد أهم مؤشرات التحولات الاقتصادية وسلوك المستهلك المصري
أكد أحمد أشرف، المحاسب والخبير الاقتصادي، أن النمو المتسارع الذي يشهده قطاع التمويل الاستهلاكي في مصر لا يمكن قراءته باعتباره مجرد زيادة في حجم التمويلات الممنوحة، وإنما يعكس تغيرات عميقة في الاقتصاد المصري وسلوك المستهلك، موضحًا أن السؤال الحقيقي لم يعد: "كم اقترض المصريون؟"، وإنما: "لماذا أصبحوا يعتمدون على التمويل بهذا الشكل؟".
وأوضح أحمد أشرف، في قراءة اقتصادية بعنوان "حين يسبق الائتمان الدخل... قراءة اقتصادية في صعود التمويل الاستهلاكي في مصر"، استندت إلى بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية (FRA)، والبنك المركزي المصري (CBE)، والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS)، إضافة إلى التقارير السنوية والإفصاحات الرسمية للشركات، أن حجم التمويل الاستهلاكي تضاعف خلال عامين فقط، مرتفعًا من 47.3 مليار جنيه في عام 2023 إلى 96.3 مليار جنيه في عام 2025.
وأشار إلى أن عدد المستفيدين من التمويل الاستهلاكي تجاوز 10.8 مليون عميل بنهاية عام 2025، بينما ارتفع عدد الشركات المرخص لها إلى 48 شركة، مع استمرار معدل التعثر عند أقل من 3%، وهو ما يعكس – حتى الآن – قدرة القطاع على التوسع دون تدهور ملحوظ في جودة المحافظ الائتمانية.
وأضاف أن هذه الطفرة لم تحدث خلال فترة ازدهار اقتصادي أو انخفاض في أسعار الفائدة، بل جاءت في ظل واحدة من أصعب الفترات التي مر بها الاقتصاد المصري، والتي شهدت موجات تضخم مرتفعة، وارتفاعًا كبيرًا في أسعار الفائدة، وضغوطًا متزايدة على القوة الشرائية للأسر، الأمر الذي يطرح تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كان النمو السريع للتمويل الاستهلاكي يعكس قوة الاقتصاد أم اعتمادًا متزايدًا على الائتمان لتعويض تراجع القدرة على الشراء النقدي.
وأكد أن الإجابة ليست بنعم أو لا، لأن التمويل الاستهلاكي ليس ظاهرة إيجابية أو سلبية في حد ذاته، وإنما أداة مالية تختلف آثارها وفقًا للبيئة الاقتصادية ومستويات دخول الأسر وسياسات الإقراض وكفاءة الجهات الرقابية في تحقيق التوازن بين دعم النمو وحماية المستهلك.
التقسيط تحول إلى صناعة مالية متكاملة
وأوضح أحمد أشرف أن التقسيط كان يُنظر إليه حتى سنوات قليلة مضت باعتباره خدمة تقدمها بعض معارض السيارات ومتاجر الأجهزة الكهربائية، في ظل غياب إطار تشريعي متخصص ينظم العلاقة بين شركات التمويل والعملاء.
وأشار إلى أن هذا الواقع تغير بصورة جذرية مع صدور قانون التمويل الاستهلاكي رقم 18 لسنة 2020، الذي منح النشاط هوية قانونية مستقلة، ووضع قواعد واضحة للترخيص والحوكمة والإفصاح، وأسند إلى الهيئة العامة للرقابة المالية مسؤولية تنظيم السوق والإشراف عليه.
وأضاف أن الهدف من القانون لم يكن تنظيم نشاط قائم فقط، بل بناء سوق تمويل حديث قادر على دعم الاستهلاك، وتحسين الوصول إلى التمويل، وتشجيع الاستثمار في الخدمات المالية غير المصرفية، مع توفير مستويات أعلى من حماية المستهلك.
ولفت إلى أن السوق شهد تغيرًا كبيرًا بحلول عام 2025، حيث ارتفع عدد الشركات المرخصة إلى 48 شركة، ودخلت شركات التكنولوجيا المالية والمنصات الرقمية، لتغير شكل المنافسة بالكامل، إذ لم تعد المنافسة تعتمد على سعر التمويل فقط، بل أصبحت ترتكز على سرعة إصدار الموافقات، وسهولة تجربة العميل، والربط الإلكتروني مع المتاجر، واستخدام تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي في تقييم الجدارة الائتمانية.
وأكد أن التمويل الاستهلاكي انتقل من نموذج "التقسيط التقليدي" إلى صناعة مالية حديثة تعتمد على التكنولوجيا والبيانات باعتبارهما أحد أهم عناصر المنافسة.
نمو استثنائي في حجم التمويلات
وأشار أحمد أشرف إلى أن بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية تكشف أن إجمالي التمويلات الممنوحة ارتفع من 47.3 مليار جنيه في عام 2023 إلى 61.3 مليار جنيه في عام 2024، ثم إلى 96.3 مليار جنيه في عام 2025، بمعدلات نمو بلغت 29.6% و57% على التوالي، وهو ما يعني تحقيق نمو تراكمي تجاوز 100% خلال عامين فقط، ليصبح القطاع من أسرع أنشطة التمويل غير المصرفي نموًا في مصر.
وأوضح أنه رغم هذا النمو، فإن التمويل الاستهلاكي لا يزال يمثل نحو 6.7% فقط من إجمالي التمويلات غير المصرفية التي بلغت 911.5 مليار جنيه خلال عام 2024، بما يشير إلى استمرار وجود مساحة كبيرة للنمو.
وأضاف أن فهم هذه الأرقام لا يكتمل دون تحليل طبيعة السلع والخدمات التي يتم تمويلها، لأن وجهة التمويل تكشف أولويات المستهلك واتجاهات الطلب وطبيعة الاقتصاد.
السيارات والأجهزة الكهربائية تستحوذ على النصيب الأكبر
وأوضح أحمد أشرف أن بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية لعام 2025 أظهرت أن شراء السيارات والمركبات استحوذ على 19.8% من إجمالي التمويلات، تلاه قطاع الإلكترونيات والأجهزة الكهربائية بنسبة 17.3%، ثم الأجهزة المنزلية بنسبة 16.5%، والسلع الاستهلاكية عبر بطاقات التمويل بنسبة 13.7%، والتشطيبات المنزلية بنسبة 4.4%، والملابس والأحذية والإكسسوارات بنسبة 4%، فيما استحوذت القطاعات الأخرى على 24.2%.
وأضاف أن بيانات يناير 2026 أظهرت استمرار الاتجاه نفسه، مع زيادة ملحوظة في تمويل الهواتف المحمولة والتجارة الإلكترونية، بما يعكس التوسع في القنوات الرقمية ونماذج "اشترِ الآن وادفع لاحقًا" (BNPL).
وأشار إلى أن أكثر من نصف التمويلات يتركز في السلع المعمرة، وهو ما يعكس أن التمويل الاستهلاكي أصبح وسيلة للحفاظ على الاستهلاك وليس لزيادته، إذ لم تعد كثير من الأسر قادرة على شراء هذه السلع نقدًا بعد الارتفاعات الكبيرة في الأسعار، فأصبح التقسيط وسيلة لتوزيع تكلفة الشراء على فترات زمنية أطول.
وأضاف أن التمويل الاستهلاكي لا يخلق الطلب من العدم، وإنما يساعد الأسر على الحفاظ على مستوى معيشتها، وفي الوقت نفسه يمنح الشركات والتجار فرصة لاستمرار حركة المبيعات.
ولفت إلى أن قطاعات مثل التعليم والرعاية الصحية لا تزال تمثل نسبة محدودة من النشاط، رغم سماح القانون بتمويلها، بما يعكس استمرار تركيز السوق على تمويل السلع أكثر من الخدمات.
عندما يسبق الائتمان الدخل
وأكد أحمد أشرف أن بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء توضح السبب الحقيقي وراء احتياج ملايين المصريين إلى التمويل، إذ بلغ متوسط الدخل السنوي للأسرة المصرية نحو 69 ألف جنيه، مقابل متوسط إنفاق بلغ نحو 74 ألف جنيه وفقًا لبحث الدخل والإنفاق والاستهلاك 2019/2020، بما يعني أن إنفاق الأسرة كان يفوق دخلها في المتوسط حتى قبل موجات التضخم الأخيرة.
وأشار إلى أن السنوات التالية شهدت ارتفاع معدل التضخم من 13.9% في عام 2022 إلى 33.6% في عام 2023، قبل أن يسجل 28.1% في عام 2024، بينما ارتفع سعر الفائدة الأساسي لدى البنك المركزي إلى 27.25% بنهاية عام 2024، في الوقت الذي واصل فيه التمويل الاستهلاكي نموه بوتيرة متسارعة.
وأوضح أنه لا يمكن الجزم بأن التضخم تسبب في نمو التمويل الاستهلاكي أو أن ارتفاع الفائدة كان السبب المباشر في زيادة الاقتراض، إلا أن تزامن هذه المتغيرات مع توسع السوق يفتح الباب أمام تفسير اقتصادي منطقي، يتمثل في أن ارتفاع أسعار السيارات والأجهزة المنزلية والإلكترونيات جعل الشراء النقدي أكثر صعوبة، بينما وفرت شركات التمويل بديلًا يسمح بتوزيع التكلفة على أقساط شهرية.
وأضاف أن التمويل الاستهلاكي تحول بذلك من وسيلة لزيادة القدرة الشرائية إلى أداة لإدارة السيولة داخل الأسرة، لكنه في الوقت نفسه يزيد اعتماد الأسر على الالتزامات المستقبلية، وهو ما يجعلها أكثر حساسية لأي تغير في الدخل أو أسعار الفائدة أو معدلات البطالة.
وأكد أن السؤال الحقيقي لم يعد: "هل ينمو التمويل الاستهلاكي؟"، وإنما: "هل ينمو بمعدل أسرع من نمو الدخول الحقيقية للأسر؟"، لأن اعتماد جزء من الاستهلاك الحالي على دخل لم يتحقق بعد يفرض أهمية مضاعفة لإدارة المخاطر والتقييم الائتماني السليم وحماية المستهلك من الإفراط في الاقتراض.
شركات التمويل.. الربحية لا تعتمد على الفائدة وحدها
وأوضح أحمد أشرف أن نشاط شركات التمويل الاستهلاكي أكثر تعقيدًا من مجرد منح القروض والحصول على الفائدة، إذ تعتمد الشركات على الحصول على التمويل من البنوك أو أدوات الدين أو حقوق المساهمين، ثم إعادة توظيف هذه الأموال في منح التمويلات للعملاء، بينما يتأثر مستوى الربحية بعوامل عديدة، منها جودة تقييم الجدارة الائتمانية، وانخفاض نسب التعثر، وسرعة دوران المحفظة التمويلية، وكفاءة التحصيل، واستخدام التكنولوجيا، واتساع شبكة التجار والشركاء.
وأشار إلى أن شركة ValU حققت خلال عام 2024 إيرادات بلغت 3.06 مليار جنيه، وصافي ربح بلغ 423 مليون جنيه، مع عائد على حقوق الملكية بلغ 29.66%، فيما لم تتجاوز نسبة القروض غير المنتظمة 0.72%، وفقًا لإفصاحات الشركة.
وأضاف أن Contact Financial Holding واصلت توسعها أيضًا، حيث بلغت محفظة التمويل نحو 19.2 مليار جنيه، وسجلت تمويلات جديدة بقيمة 2.9 مليار جنيه خلال الربع الأول من عام 2026، بما يعكس استمرار الطلب على خدمات التمويل الاستهلاكي.
وأكد أن نجاح شركات التمويل لا يقاس بحجم الأموال التي تمنحها فقط، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين النمو والربحية وجودة الائتمان.
فرصة للنمو.. ومصدر لمخاطر مستقبلية
وأكد أحمد أشرف أن التمويل الاستهلاكي لا يمكن اعتباره ظاهرة إيجابية مطلقة أو سببًا مباشرًا في زيادة مديونية الأسر، لأن الاقتصاد يقوم على تحقيق التوازن بين توسيع فرص الحصول على التمويل والحفاظ على قدرة المقترضين على السداد.
وأوضح أن القطاع أسهم في تنشيط قطاعات السيارات والأجهزة الكهربائية والتجزئة والتجارة الإلكترونية، كما دعم الشمول المالي من خلال إتاحة التمويل لشرائح لم تكن تعتمد على القروض المصرفية التقليدية، مستفيدًا من التحول الرقمي والتوقيع الإلكتروني وتحليل البيانات.
وفي المقابل، أشار إلى أن كل جنيه يتم إنفاقه بالتمويل يمثل التزامًا على دخل مستقبلي، وكلما زادت الأقساط الشهرية تقلصت قدرة الأسر على مواجهة الصدمات الاقتصادية، سواء فقدان الوظيفة أو انخفاض الدخل أو ارتفاع تكلفة المعيشة، مؤكدًا أن نجاح السوق يقاس بقدرته على تحقيق نمو مستدام دون خلق مستويات مفرطة من المديونية.
التجارب الدولية
وأوضح أحمد أشرف أن التمويل الاستهلاكي يمثل أحد المكونات الأساسية للاقتصادات الحديثة، مشيرًا إلى أن السوق السعودية تعتمد على منظومة ائتمانية متطورة تقودها شركة SIMAH، بينما شهدت الإمارات توسعًا كبيرًا في خدمات "اشترِ الآن وادفع لاحقًا" بفضل البنية الرقمية المتقدمة، في حين تخضع السوق البريطانية لرقابة صارمة من هيئة السلوك المالي (FCA)، التي تفرض قواعد دقيقة للإفصاح وتقييم قدرة العملاء على السداد.
وأضاف أن التجربة المصرية نجحت خلال فترة قصيرة في بناء إطار تشريعي ورقابي حديث، إلا أن استمرار هذا النجاح يعتمد على تطوير قواعد تبادل المعلومات الائتمانية، وتعزيز الثقافة المالية، ومواكبة التحول الرقمي.
ماذا ينتظر القطاع حتى عام 2030؟
وأشار أحمد أشرف إلى أن المؤشرات الحالية ترجح استمرار نمو سوق التمويل الاستهلاكي خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بالتحول الرقمي، والتوسع في التجارة الإلكترونية، وزيادة المنافسة بين الشركات في سرعة الخدمة وجودة تجربة المستخدم والمنتجات التمويلية.
وأضاف أن القطاع سيواجه في المقابل تحديات تتعلق بتأثير أسعار الفائدة على تكلفة التمويل، وقدرة الأسر على تحمل التزامات شهرية أكبر، والحفاظ على معدلات تعثر منخفضة، ومواكبة التشريعات للتكنولوجيا المالية، وتعزيز الوعي المالي لدى المستهلكين.
وأكد أن البيانات والذكاء الاصطناعي سيكونان العامل الأكثر تأثيرًا في مستقبل المنافسة، حيث ستتمكن الشركات الأكثر كفاءة في تحليل المخاطر من تحقيق التوسع دون التضحية بجودة محافظها الائتمانية.
واختتم أحمد أشرف قراءته بالتأكيد أن التمويل الاستهلاكي في مصر لم يعد نشاطًا هامشيًا، بل أصبح أحد أسرع قطاعات التمويل غير المصرفي نموًا، مدعومًا بإطار تشريعي حديث وتوسع رقمي وزيادة واضحة في عدد الشركات والعملاء.
وأضاف أن التمويل الاستهلاكي أدى دورًا مهمًا في الحفاظ على حركة الاستهلاك ودعم التجارة، لكنه أصبح أيضًا وسيلة تعتمد عليها شريحة متزايدة من الأسر لمواجهة ارتفاع تكلفة المعيشة، مؤكدًا أن الائتمان لا يصنع الدخل، وإنما يمنح المستهلك فرصة لإعادة توزيع إنفاقه عبر الزمن، وأن مستقبل القطاع لن يقاس فقط بحجم المحافظ التمويلية أو عدد الشركات، وإنما بقدرته على تحقيق التوازن بين توسيع فرص التمويل وحماية الأسر والاقتصاد من المخاطر المالية.
وأنهى حديثه بالتأكيد أن النمو السريع لا يمثل في حد ذاته مؤشرًا على النجاح، وإنما تكتسب معدلات النمو قيمتها الحقيقية عندما تقترن بالاستدامة، والانضباط الائتماني، وتحسن مستوى معيشة المواطنين، وعندها فقط يصبح التمويل الاستهلاكي أداة للتنمية الاقتصادية، وليس مجرد وسيلة لتأجيل تكلفة الاستهلاك.








