حين ظهر الإنسان قبل الطبيب.. ليلة كشفت معدن الدكتور فريد فؤاد دولة
بقلم: إيناس العدوي
هناك مواقف في الحياة لا تحتاج إلى كثير من الكلمات كي تكشف حقيقة الإنسان.
مواقف تأتي فجأة، من دون ترتيب، ومن دون كاميرات أو جمهور، ولا تمنح صاحبها وقتًا ليفكر في صورته أمام الآخرين.
وفي مثل هذه اللحظات تحديدًا، يظهر معدن الإنسان.
هذه الليلة، كنت شاهدة على واحد من تلك المواقف.
بعد انتهاء مواعيد العيادة، وصلنا إلى المنزل في نحو الساعة الحادية عشرة مساءً. كان يومًا طويلًا، وكنا نظن أن كل شيء انتهى وأن الوقت حان للراحة.
لكن أمام بوابة الفيلا، كان هناك مشهد لم يكن في الحسبان.
جودي، طفلة في الثامنة من عمرها، كانت ملقاة على الأرض.
قالت والدتها إنها كانت تلعب بصورة طبيعية مع الأطفال أمام البوابة، ثم سقطت فجأة، ولم تعد قادرة على الكلام أو الحركة.
كانت الأم في حالة صدمة.
لا تعرف ماذا حدث لابنتها، ولا ماذا تفعل.
في تلك اللحظة، لم أجد أمامي زوجي الطبيب الذي انتهى للتو من يوم عمل طويل، وإنما وجدت إنسانًا تحركت فيه غريزة إنقاذ طفل قبل أي شيء آخر.
الأستاذ الدكتور فريد فؤاد دولة، استشاري القلب والقسطرة، لم يتردد لحظة.
لم يفكر في أن اليوم انتهى، ولم يقل إن تخصصه ليس طب الأطفال، ولم يقف طويلًا أمام الاحتمالات.
كان هناك شيء واحد أمام عينيه:
طفلة تحتاج إلى المساعدة الآن.
حمل جودي إلى السيارة، وانطلقنا إلى مستشفى القاهرة الجديدة. كنت معه، وكانت والدتها بجوار ابنتها، لا تكاد تستوعب ما يحدث.
وللمرة الأولى، رأيته يقود بهذه السرعة.
لم يكن استعجالًا عاديًا، بل كان قلق طبيب وإنسان يعرف أن الدقائق قد تكون فارقة، وأب أمامه طفلة صغيرة لا يعرف ماذا أصابها.
وفي الطريق، كانت جودي لا تزال فاقدة للنطق والحركة، ثم بدأت تفتح عينيها تدريجيًا.
كانت تلك الحركة الصغيرة بالنسبة لنا وقتها أشبه برسالة أمل.
وصلنا إلى المستشفى، وطلب الدكتور فريد فورًا حضور طبيب أطفال من الطوارئ.
حضرت طبيبة شابة وبدأت في فحص جودي، لكن زوجي لم يكن مطمئنًا تمامًا إلى تقييم الحالة.
وهنا، فعل ما كنت أعرف أنه سيفعله.
أخذ سماعة الطبيب من طبيب شاب كان يجلس في جانب الغرفة، وبدأ يفحص جودي بنفسه، ويتابع نبضها وحالتها، ويتحدث إليها محاولًا مساعدتها على استعادة وعيها.
في تلك اللحظات لم تكن أمامه «بنت حارس الفيلا».
لم تكن هناك طبقات اجتماعية أو حسابات أو ألقاب.
كانت أمامه طفلة فقط.
طفلة صغيرة، وأم مذعورة تنتظر أي كلمة تطمئنها.
ظل إلى جوارها حتى بدأت جودي تستعيد وعيها كاملًا، وتنتبه إلى من حولها، ثم بدأت تتحدث.
لن أنسى وجه والدتها في تلك اللحظة.
وجه أم عادت إليه الحياة بعد دقائق من الخوف والعجز.
لكنني أيضًا لن أنسى ما شعرت به أنا.
لأنني كنت أرى زوجي من زاوية مختلفة.
رأيته الإنسان قبل الطبيب.
قد يقول البعض: «هذا واجب الطبيب».
وأنا أتفق.
لكنني أؤمن أن هناك فرقًا بين أن يكون الشيء واجبًا مهنيًا، وبين أن يتحول الواجب إلى رحمة حقيقية.
فالطب يمكن أن يتعلمه الإنسان في سنوات طويلة من الدراسة والخبرة.
أما الرحمة، فلا تُدرّس في كلية الطب.
يمكن للإنسان أن يمتلك علمًا واسعًا وشهادات وألقابًا ومكانة كبيرة، لكن القيمة الحقيقية تظهر عندما يرى إنسانًا ضعيفًا يحتاج إليه، فيمد له يده دون أن يسأل: من هو؟ وماذا يملك؟ وما الذي سيعود عليّ من مساعدته؟
وهذا ما رأيته الليلة.
رأيت طبيبًا كبيرًا لم تمنعه مكانته من أن يحمل طفلة صغيرة بنفسه.
رأيت إنسانًا لم يسمح لتعب يومه أن يجعله يمر بجوار حالة إنسانية ويقول: «ليس الآن».
ورأيت زوجي يبقى إلى جوار طفلة ، حتى اطمأن أنها استعادت وعيها وتحدثت.
ربما لا يعرف الدكتور فريد أن هذا الموقف، بالنسبة إليّ، كان أكبر من مجرد موقف عابر.
فأنا فخورة به منذ سنوات كطبيب، وبما حققه في مهنته، لكن في هذه الليلة شعرت بفخر مختلف.
فخر بالإنسان الذي يسكن خلف الطبيب.
وعندما انتهى كل شيء، لم أفكر في تخصصه ولا في منصبه ولا في سنوات خبرته.
فكرت فقط في جملة واحدة:
أجمل ما في الإنسان ليس اللقب الذي يحمله، وإنما الموقف الذي يكشف من يكون عندما لا يكون مضطرًا لأن يفعل شيئًا.
شكرًا لجودي الصغيرة؛ لأنها، من دون أن تعرف، جعلتني أرى هذا الجانب من الإنسان الذي أعيش معه من جديد.
شكرًا دكتور فريد
أنا فخورة بك كطبيب.
لكنني في تلك الليلة، كنت أكثر فخرًا بك كإنسان. ❤️








