أسعار الغاز في أوروبا تقفز لأعلى مستوى منذ 2023.. مخاوف الإمدادات تشتعل مع اقتراب الشتاء

لماذا قفزت أسعار الغاز في أوروبا إلى أعلى مستوياتها منذ يناير 2023؟

أسعار الغاز في أوروبا تقفز لأعلى مستوى منذ 2023.. مخاوف الإمدادات تشتعل مع اقتراب الشتاء
غاز

كتبت/شهد ابراهيم 

قفزت أسعار الغاز في أوروبا بأكثر من 5% خلال تعاملات الإثنين 31 أغسطس 2026، لتسجل أعلى مستوياتها منذ مطلع عام 2023، وسط تصاعد المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة مع اقتراب موسم التدفئة في القارة الأوروبية.

وجاءت هذه القفزة في أسعار الغاز الأوروبية بالتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وما نتج عنها من اضطرابات في حركة شحنات الغاز الطبيعي المسال، ولا سيما الإمدادات التي تمر عبر منطقة الخليج ومضيق هرمز. 

أسعار الغاز الأوروبية تتجاوز 70 يورو

ارتفع عقد الغاز الطبيعي الهولندي القياسي TTF للتسليم في أكتوبر 2026 إلى مستوى قياسي خلال تعاملات الإثنين، بعدما سجل أعلى سعر عند نحو 70.85 يورو لكل ميغاواط/ساعة، وفق بيانات السوق. 

ويمثل مؤشر TTF أحد أهم مؤشرات تسعير الغاز الطبيعي في أوروبا، ولذلك فإن ارتفاعه يعكس تصاعد المخاوف بشأن توافر الإمدادات في الفترة المقبلة، خصوصًا مع دخول الأسواق مرحلة الاستعداد لموسم الشتاء.

كما ظلت أسعار الغاز الأوروبية أعلى من مستويات 65 يورو لكل ميغاواط/ساعة، بعدما كانت قد سجلت ارتفاعات حادة خلال الأسابيع الأخيرة مع تزايد المخاوف بشأن الإمدادات العالمية.

التوترات في الشرق الأوسط تضغط على سوق الغاز

ارتبطت القفزة الأخيرة في أسعار الغاز في أوروبا بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، والتي أثرت في حركة شحنات الغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج.

وتكتسب هذه التطورات أهمية كبيرة بالنسبة إلى السوق الأوروبية، إذ يعتمد عدد من الدول الأوروبية على الغاز الطبيعي المسال المستورد لتعويض جانب من الإمدادات التي كانت تأتي تاريخيًا عبر خطوط الأنابيب.

وأدت الاضطرابات في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى زيادة المخاوف بشأن قدرة ناقلات الغاز الطبيعي المسال على الوصول إلى الأسواق العالمية في الوقت المناسب، ما عزز الضغوط على الأسعار.

مضيق هرمز يهدد إمدادات الغاز المسال

يمثل مضيق هرمز أحد أهم ممرات الطاقة العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من شحنات الغاز الطبيعي المسال القادمة من منطقة الخليج.

وأدت الاضطرابات التي شهدتها حركة الملاحة إلى تقليص عدد ناقلات الغاز التي تعبر المضيق، ما رفع المخاوف من حدوث نقص في الإمدادات المتاحة للأسواق الأوروبية والآسيوية.

وبحسب بيانات حديثة، لم تعبر سوى 8 ناقلات للغاز الطبيعي المسال المضيق خلال يوليو، مقارنة بنحو 3 ناقلات يوميًا قبل اندلاع الحرب، ما يعكس حجم الاضطراب الذي أصاب حركة التجارة. 

مخزونات الغاز الأوروبية تزيد المخاوف

تواجه أوروبا ارتفاع أسعار الغاز في وقت لا تزال فيه مستويات تخزين الغاز أقل من المتوسطات المعتادة قبل فصل الشتاء.

وتشير أحدث البيانات إلى أن مخزونات الغاز الأوروبية بلغت نحو 63% من سعتها في أواخر أغسطس، مقابل متوسط موسمي يقترب من 80%، ما يزيد الضغوط على شركات الطاقة لتأمين كميات إضافية قبل ارتفاع الطلب خلال أشهر الشتاء. 

وتزداد حساسية السوق الأوروبية لهذه التطورات بسبب بطء عمليات ملء مرافق التخزين خلال العام الحالي، وهو ما قد يدفع المشترين إلى المنافسة بقوة على شحنات الغاز الطبيعي المسال المتاحة في السوق العالمية.

أوروبا تنافس آسيا على شحنات الغاز الطبيعي المسال

لم تعد أوروبا السوق الوحيدة التي تسعى إلى زيادة وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، إذ تتنافس الشركات الأوروبية مع مشترين من آسيا على الشحنات المتاحة.

وسجلت الأسعار الآسيوية القياسية للغاز الطبيعي المسال JKM ارتفاعًا بنحو 13% خلال أغسطس 2026، ما يعكس اشتداد المنافسة بين السوقين الأوروبية والآسيوية على الإمدادات العالمية. 

وقد يؤدي استمرار ارتفاع الطلب الآسيوي إلى زيادة الضغوط على السوق الأوروبية، خاصة إذا اضطرت الشركات إلى دفع أسعار أعلى لجذب الشحنات المتاحة خلال الأشهر المقبلة.

ارتفاع أسعار الغاز يهدد تكاليف الطاقة الأوروبية

ينعكس ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بصورة مباشرة على تكلفة الكهرباء والطاقة بالنسبة إلى الشركات والمستهلكين، خاصة في الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الغاز في توليد الكهرباء.

كما يمكن أن تؤدي موجة الارتفاع الحالية إلى زيادة الضغوط التضخمية في القارة، خصوصًا إذا استمرت أسعار الغاز والنفط في الصعود بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.

وتأتي هذه المخاوف في وقت تراقب فيه الأسواق الأوروبية عن كثب مسار التضخم والسياسة النقدية، مع احتمال انتقال الارتفاع في أسعار الطاقة إلى تكاليف الإنتاج والنقل والسلع والخدمات.

توقعات بارتفاع أسعار الغاز خلال الشتاء

تواجه السوق الأوروبية احتمالات استمرار ارتفاع أسعار الغاز خلال الفترة المقبلة إذا استمرت اضطرابات إمدادات الغاز الطبيعي المسال، أو ارتفع الطلب نتيجة موجات البرد خلال الشتاء.

ويرى محللون أن الأسعار قد تتجاوز مستويات 100 يورو لكل ميغاواط/ساعة في حال اشتدت المنافسة بين أوروبا وآسيا على الشحنات، خصوصًا إذا لم تتمكن القارة من رفع مخزونات الغاز إلى مستويات مريحة قبل بدء موسم التدفئة. 

أوروبا أمام اختبار جديد لأمن الطاقة

وتعيد القفزة الأخيرة في أسعار الغاز في أوروبا إلى الواجهة مخاوف أمن الطاقة التي عانت منها القارة خلال السنوات الماضية، خصوصًا مع استمرار حساسية السوق تجاه التطورات الجيوسياسية واضطرابات الإمدادات العالمية.

وبينما لا تشير المعطيات الحالية بالضرورة إلى نقص فعلي في الغاز، فإن انخفاض مستويات التخزين وارتفاع المنافسة على الغاز الطبيعي المسال قد يرفعان تكلفة تأمين الإمدادات خلال الشتاء.

وتظل قدرة أوروبا على زيادة التخزين وتنويع مصادر الغاز، إلى جانب تطورات حركة الملاحة في مضيق هرمز، عوامل رئيسية في تحديد اتجاه أسعار الغاز خلال الأشهر المقبلة.