غرفة صناعة البترول والتعدين تصدر توصيات سياسات عاجلة لمواجهة تحديات أسواق الطاقة الراهنة

تطرح غرفة صناعة البترول والتعدين باتحاد الصناعات المصرية حزمة توصيات عاجلة لمواجهة اضطرابات أسواق الطاقة العالمية، أبرزها المفاضلة اليومية بين استيراد الخام وتكريره محليًا أو شراء المنتجات الجاهزة، ورفع كفاءة معامل التكرير، وبناء مخزونات أمان للوقود، وتقليل تكلفة الغاز المسال، واستخدام الوقود البديل في الكهرباء عند جدواه، وتحفيز المصانع على خفض استهلاك الطاقة دون التأثير في الإنتاج، إلى جانب الإسراع في زيادة الإنتاج المحلي من الزيت والغاز.

غرفة صناعة البترول والتعدين تصدر  توصيات سياسات عاجلة لمواجهة تحديات أسواق الطاقة الراهنة
غرفة البترول والتعدين باتحاد الصناعات المصرية

تشهد أسواق الطاقة العالمية في الوقت الحالي اضطراباً استثنائياً بسبب التوترات الإقليمية وما صاحبها من صعوبة في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وباب المندب، واضطراب بعض خطوط ومنشآت الإمداد. والنتيجة بالنسبة لمصر ليست فقط في احتمال زيادة تكلفة الاستيراد، وانما أيضاً زيادة مخاطر وصول السولار والبنزين والمازوت والبوتاجاز في الوقت المناسب. 

وفي المقابل، فآن مشكلة الغاز الطبيعي مختلفة: الكميات يمكن تدبيرها من خلال مزيج الإنتاج المحلي والواردات، لكن تكلفة الغاز المسال أصبحت مرتفعة بشدة ومتقلبة. ولذلك فإن المطلوب الآن ليس إجراءً واحداً، وإنما ترتيب أولويات واضح تشغيل الأصول المصرية المتاحة بأعلى كفاءة، واستيراد الخام عندما يكون أوفر من استيراد المنتجات، وخفض استخدام الغاز الأعلى تكلفة عندما توجد بدائل فنية واقتصادية، وتسريع زيادة الإنتاج المحلى.

1-الأولوية الأولى استيراد الخام وتكريره محلياً متى كان اوفر 

القاعدة الاقتصادية التي يجب ان تحكم القرار بسيطة: لا نقارن سعر الخام بسعر المنتج فقط، بل نقارن التكلفة النهائية لوصول المنتج الى مصر في الحالتين. 

إذا ارتفع سعر الخام بنسبة كبيرة عن ارتفاع أسعار المنتجات المكررة في الفترة نفسها، فإن الفارق بين الحالتين يجعل استيراد الخام وتكريره داخل مصر خياراً اقتصادياً اقوى، بشرط أن تكون المصفاة قادرة على تكرير هذا الخام وأن تكون تكلفة النقل والتكرير والتخزين اقل من تكلفة استيراد المنتج الجاهز. 

وبالتالي، حتى إذا ارتفع سعر الخام، قد يكون استيراده أفضل للاقتصاد المصري من شراء السولار والبنزين أو النافتا جاهزة بأسعار أعلى. هذه ليست مسألة سعر خام فقط، إنها مسألة "تكلفة المنتج عند وصوله الى المستهلك المصري".

ولهذا توصي الغرفة بإنشاء غرفة حساب يومية داخل الهيئة المصرية العامة للبترول تقارن بين تكلفة استيراد الخام وتكريره محلياً وتكلفة استيراد كل منتج جاهز، مع ادخال النقل والتأمين والتخزين وتكلفة التكرير في الحساب.

وتؤكد بيانات وزارة البترول ان رفع تشغيل معامل التكرير من نحو 66% الى أكثر من 80% خلال 2026 ساهم بالفعل في زيادة الامدادات المحلية وتقليل الاعتماد على الاستيراد. كما أعلنت الوزارة ان تطوير معامل النصر والسويس وزيادة كميات الخام الموجهة اليهما من الأولويات، مع الإسراع في مشروع مجمع التفحيم بالسويس لزيادة المنتجات عالية القيمة وتقليل الاستيراد.

2-معامل النصر والسويس: تشغيل ما هو موجود قبل إنشاء طاقات جديدة

تمتلك منطقتا السويس وشركاتها التكريرية ميزة مهمة: موقع قريب من موانئ البحر الأحمر وشبكات نقل وتخزين قائمة. ولذلك فإن رفع تشغيل الوحدات الموجودة يمكن ان يعطى أثراً أسرع من انتظار إنشاء مصافٍ جديدة. 

وتوضح بيانات العام المالي 2025/2026 ان النصر للبترول كررت نحو 1.5 مليون طن من الخام، بينما قامت السويس لتصنيع البترول بتكرير قرابة 1.4 مليون طن من أصل طاقة قدرها 8.5 مليون طن وهذا يعني ان هناك مجالاً عملياً لزيادة التشغيل، بالتوازي مع اعمال الصيانة والتطوير ومشروع مجمع التفحيم. 

المطلوب ليس تشغيل المعامل بأي خام وبأي تكلفة، المطلوب اختيار خامات مناسبة للوحدات، ثم تحديد المنتج الذي يحتاجه السوق ثم تشغيل المصفاة بالمزيج الذي يعطي أكبر كمية ممكنة من السولار والمنتجات الأعلى قيمة. 

3-لماذا التكرير المحلى مهم للاقتصاد الكلي؟

يقلل عدد الشحنات التي تحتاجها مصر من المنتجات الجاهزة 

يخفض تعرض مصر لارتفاع هوامش تكرير السولار والبنزين عالمياً

يستفيد من أصول وموانئ وخطوط نقل موجودة بالفعل 

يوفر قيمة مضافة وفرص تشغيل داخل مصر 

يقلل الحاجة الى تدبير الدولار لشراء المنتج الجاهز 

يعطي الدولة مرونة أكبر في اختيار الخام والمورد والتوقيت 

وتزداد أهمية هذه السياسة الآن لأن هوامش تكرير السولار عالمياً ارتفعت بشدة مع نقص المعروض، فقد سجل هامش تكرير السولار الآسيوي مستويات قياسية تجاوزت 87 دولاراً للبرميل في سبتمبر 2026، مقارنة بنحو 22 دولاراً قبل الازمة. 

4-السولار والمازوت والنافتا والبوتاجاز: بناء مخزون أمان

ينبغي تحديد حد أدني آمن للمخزون لكل منتج أساسي، مع إعطاء الأولوية للمنتجات التي يصعب تعويضها سريعاً إذا تعطلت الملاحة. كما يجب زيادة الاعتماد على الشراء المسبق عندما تكون الأسعار والنقل مناسبين، بدلاً من الشراء الاضطراري في ذروة الأزمة. 

ويجب ان يكون المخزون موزعاً جغرافياً، وألا يعتمد على موقع واحد أو ميناء واحد. كما ينبغي مراجعة قدرة خطوط النقل ومستودعات التخزين حتى لا تتحول المشكلة من نقص المنتج الى صعوبة نقله الى مناطق الاستهلاك. 

5-الغاز الطبيعي: المشكلة الأساسية هي التكلفة 

لا ترى الغرفة ان ملف الغاز الحالي يجب ان يعالج باعتباره نقصاً في الكميات فقط. التحدي الأهم هو الارتفاع الشديد في تكلفة استيراد LNG المسال وتقلبها. وتظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الامريكية ان صادرات الغاز الى مصر بلغت نحو 86 مليار قدم مكعب في يونيو 2026، وهو مستوى مرتفع يؤكد أهمية السوق الامريكية في منظومة الامداد الحالية لمصر.

ومن ثم يجب ان تقارن الدولة يومياً بين تكلفة الغاز المحلي والغاز المنقول عبر الانابيب والغاز المسال، بعد إضافة النقل والتأمين والتغييز. والهدف هو تقليل متوسط تكلفة الغاز الذي يصل الى الاقتصاد المصري وليس مجرد تأمين الكمية.

6-الكهرباء: استخدام الوقود البديل عندما يكون اوفر 

مع ارتفاع تكلفة الغاز المسال، يجب إعادة حساب تكلفة تشغيل محطات الكهرباء يومياً. ويمكن استخدام المازوت في الوحدات التي تسمح تصميماتها بذلك، إذا ثبت أن تكلفة انتاج الكيلووات ساعة منه أقل من تكلفة إنتاجها بالغاز المستورد بعد احتساب الصيانة والانبعاثات والقيود الفنية. 

ولا تقترح الغرفة تحويل كل المحطات الى المازوت، فالقرار يجب ان يكون لكل محطة وفق إمكاناتها وتكلفتها.

كما ينبغي الاستفادة من ارتفاع كفاءة بعض الوحدات الحرارية في الطقس البارد، خصوصاً في الخريف والشتاء متى كان ذلك متوافقاً مع متطلبات التشغيل.

7-المصانع: الترشيد يجب ان يكون موجهاً ولحيس عاماً 

لا ينبغي ان تقوم سياسة خفض استهلاك الكهرباء على إجراءات عامة او تحميل المواطنين والصناعة أعباء إضافية، وإنما على إدارة الطلب بصورة أكثر كفاءة، بحيث يتم خفض الاستهلاك غير الضروري دون التأثير في الإنتاج أو الخدمات الأساسية. 

وفي القطاع الصناعي، يمكن تطبيق برنامج عملي يقوم على قياس استهلاك الطاقة في الصناعات كثيفة الاستهلاك، وتحديد فرص الخفض التي تحقق وفراً حقيقياً في الكهرباء والوقود. كما يمكن منح حوافز للمصانع التي تحقق خفضاً فعلياً في استهلاك الطاقة لكل طن من المنتج من خلال تخفيضات أو مزايا في تكلفة الكهرباء خلال فترات محددة بدلاً من الاكتفاء بفرض قيود على الاستهلاك.

ومن المهم أيضاً تشجيع المصانع على نق ل جزء من احمالها الى ساعات انخفاض الطلب واستخدام أنظمة التحكم وإدارة الاحمال واستغلال الحرارة المهدرة في العمليات الصناعية بما يقلل استهلاك الكهرباء والغاز مع الحفاظ على معدلات الإنتاج. 

وبذلك تتحول إدارة الطلب من مفهوم "الترشيد" بمعناه التقليدي الى برنامج اقتصادي يربط خفض استهلاك الطاقة بحوافز مباشرة وتحسين كفاءة الإنتاج وخفض تكلفة المنتج، مع إعطاء الأولوية للمصانع التي تستطيع تحقيق وفر ملموس دون التأثير في الإنتاج أو العمالة. 

إلزام أكبر المستهلكين بقياس استهلاك الغاز والكهرباء

إعطاء حافز للمصنع الذي يخفض استهلاكه دون خفض انتاجه 

اتاحة عقود غاز مرنة للمصانع التي تستطيع خفض استهلاكها مؤقتاً في أوقات الذروة 

تمويل مشروعات استرجاع الحرارة وتحسين الغلايات والمحركات والضواغط 

ربط أي توسع صناعي جديد بمؤشر واضح لاستهلاك الطاقة لكل وحدة انتاج 

بهذا الشكل يتحول الترشيد من حملة عامة الى وفر مالي قابل للقياس 

8-الإنتاج المحلى أسرع انتاج واقل تكلفة

زيادة الإنتاج المحلي من الزيت والغاز تظل اهم وسيلة دائمة لتقليل التعرض للأسواق الخارجية، لكن الأولوية في المرحلة الحالية يجب ان تكون للحقول القريبة من البنية الأساسية والآبار المتوقفة والحقول الصغيرة والمتوسطة التي يمكن وضعها على الإنتاج بسرعة.

وتشير وزارة البترول الى زيادة برامج الاستكشاف والإنتاج وتسريع الحفر مع تطبيق أنظمة تعاقدية تستهدف تقليل زمن الوصول الى الإنتاج، كما يجري العمل على اتفاقيات جديدة وحفر آبار إضافية. 

الخلاصة

رسالة الغرفة بسيطة: في الظروف الحالية، يجب الا يكون السؤال " هل نشتري خاماً ام منتجات؟ وإنما أي طريق يعطي مصر المنتج النهائي بأقل تكلفة وأعلى درجة من الأمان؟ "

إذا كانت أسعار المنتجات ترتفع أكثر بكثير من أسعار الخام، فإن زيادة استيراد الخام وتشغيل معامل التكرير المصرية يمكن ان تكون أوفر للاقتصاد من استيراد المنتج جاهز، حتر مع ارتفاع سعر الخام بشرط التأكد من تكلفة التكرير والنقل والمواصفات.

وفي الوقت نفسه، يجب التعامل مع الغاز المسال باعتباره مصدراً مرناً لتغطية الفجوة وليس بالضرورة المصدر الارخص دائماً. وكل وحدة غاز يتم توفيرها من الكهرباء او من تحسين كفاءة الصناعة يمكن ان تخفض فاتورة الاستيراد او توجه الغاز الى استخدام صناعي اعلى قيمة.

وتؤكد الغرفة أن هذه الإجراءات لا تستهدف تحميل المواطن او الصناعة أعباء جديدة، وإنما حماية الاقتصاد المصري من تكلفة استثنائية قد تنتقل الى النقل والكهرباء والصناعة والأسعار. 

المطلوب هو استخدام ما تملكه مصر بالفعل بأعلى كفاءة وشراء ما تحتاجه بأفضل تكلفة وزيادة الإنتاج المحلي بأسرع وقت.