أحمد أشرف يكتب: معضلة الفائدة بين كبح التضخم وتكلفة الدين

بقلم: أحمد أشرف | خبير ومحلل مالي واقتصادي

أحمد أشرف يكتب: معضلة الفائدة بين كبح التضخم وتكلفة الدين
أحمد أشرف | خبير ومحلل مالي واقتصادي

تجد السياسة النقدية في الاقتصادات الناشئة نفسها اليوم أمام أدق اختبار هيكلي؛ فبينما تتطلب استعادة زخم الاستثمار الخاص وتخفيف أعباء الموازنة العامة الشروع في خفض أسعار الفائدة، تفرض التوترات الجيوسياسية الإقليمية وتحركات الفيدرالي الأمريكي ضغوطاً مضادة تدعو للحذر الشديد. لم تعد إدارة سعر الفائدة مجرد معادلة حسابية مجردة، بل أصبحت إدارة معقدة للتوازنات بين استقرار العملة، وجاذبية أدوات الدين، والنمو التشغيلي الحقيقي.

أولاً: فخ الفائدة الحقيقية الموجبة (Real Positive Rates)

• معادلة التضخم والعائد: استطاعت البنوك المركزية عبر سياسات التشديد الحفاظ على فائدة حقيقية موجبة دعمت جاذبية الأصول المحلية وكبحت الدولرة.

• مخاطر الخفض المتعجل: أي تسرع في خفض الفائدة قبل التأكد من استدامة هبوط مؤشرات أسعار المستهلكين قد يفتح الباب أمام ارتداد تضخمي سريع، خاصة مع حساسية أسعار السلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج لأي تقلبات في سلاسل الإمداد.

ثانياً: الموازنة العامة وفاتورة الاقتراض الحكومي

• عبء خدمة الدين المحلي: تشكل فوائد الديون النسبة الأكبر من المصروفات العامة؛ وكل نقطة مئوية إضافية في الفائدة تعني أعباءً بالمليارات تُقتطع من بنود الاستثمار الرأسمالي والتنمية الاجتماعية.

• معادلة الاستدامة المالية: تتطلع السياسة المالية لخفض تدريجي للفائدة لإعادة هيكلة استحقاقات الدين العام وإطالة آجاله، لكن تحقيق ذلك يتطلب أولاً استقراراً نقدياً يطمئن حملة السندات وأذون الخزانة.

ثالثاً: القطاع الخاص بين تكلفة الائتمان وفرص التشغيل

• تأجيل التوسعات الرأسمالية: في ظل معدلات فائدة مرتفعة، تفضل الشركات تحصين مراكز السيولة بدلاً من التوسع، ما ينعكس سلباً على وتيرة التوظيف ومعدلات التشغيل الكلية.

• أهمية المبادرات القطاعية الموجهة: الحل المؤقت لجمود الائتمان لا يكون بالخفض العشوائي للفائدة، بل ببرامج تمويلية بفائدة مدعومة وموجهة حصرياً للصناعات التصديرية والأنشطة البديلة للواردات.

رابعاً: الرؤية الاستثمارية وخريطة توزيع السيولة

• أدوات الدخل الثابت قصيرة الأجل: تبقى الملاذ الأمثل لاقتناص العوائد القياسية قبل بدء دورة التيسير النقدي المرتقبة.

• انتقاء الأسهم ذات التدفقات الحرة: التركيز على الشركات المدرجة ذات المديونية الصفرية أو المنخفضة، والقادرة على تحويل أرباحها إلى توزيعات نقدية مستدامة.

• الذهب كصمام أمان جيوسياسي: الحفاظ على وزن نسبي دفاعي في المحفظة تحوطاً من صدمات الإمداد الإقليمية أو مفاجآت الفيدرالي.

نحو سياسة نقدية متوازنة

إن الخروج الآمن من دائرة الفائدة المرتفعة لا يتحقق بمجرد قرار في اجتماع لجنة السياسة النقدية، بل بنمو حقيقي يرفع الإنتاجية ويزيد الإيرادات الدولارية المستدامة. وعندما يتعافى ميزان المدفوعات بقوة الإنتاج، ستبدأ الفائدة في الهبوط التلقائي دون تهديد لاستقرار العملة أو نزوح لرؤوس الأموال.