أحمد أشرف يكتب : المحاسب بين زمنين.. هل يكتب الذكاء الاصطناعي نهاية المهنة أم بداية نسختها الجديدة؟

بقلم/ أحمد أشرف محاسب وخبير ضرائب

أحمد أشرف يكتب : المحاسب بين زمنين.. هل يكتب الذكاء الاصطناعي نهاية المهنة أم بداية نسختها الجديدة؟
أحمد أشرف


في كل مكتب محاسبة تقريبًا، صار هناك حديث لا يتوقف عن برامج تدخل البيانات بنفسها، وتراجع القيود، وتكتشف الأخطاء في ثوانٍ. وبين المحاسبين أنفسهم، طلاب المحاسبة، وحتى أصحاب المكاتب الصغيرة، يتردد سؤال واحد بصيغ مختلفة: هل الذكاء الاصطناعي قادم لمساعدتنا، أم قادم لإنهاء وجودنا كمهنة؟

الإجابة، كما تكشفها الأرقام والدراسات والشهادات المهنية، منقسمة بشكل واضح بين رأيين متعارضين تمامًا.

الرأي الأول: المهنة في طريقها للانكماش الحاد

أصحاب هذا الرأي لا يتحدثون عن مخاوف نظرية، بل يستندون إلى بيانات رقمية محددة. فبحسب تصنيف المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025، احتلت وظائف "المحاسبة، ومسك الدفاتر، وكتابة الرواتب" المرتبة السابعة بين أسرع المهن اختفاءً على مستوى العالم، مع توقعات بانخفاض معدل التوظيف فيها بنسبة تقترب من 20% بحلول عام 2030.

هذا التوقع ليس معلقًا في الفراغ؛ فالشركات بدأت فعليًا في تطبيق أنظمة "أتمتة العمليات الروبوتية" (RPA) في مهام كانت حتى وقت قريب حكرًا على المحاسب البشري: إصدار الفواتير، تسويات الضرائب، ومسك الدفاتر اليومي. وهذه بالضبط هي المهام التي كان يقضي فيها المحاسب التقليدي جزءًا كبيرًا من وقته.

من هذا المنطلق، يرى أصحاب هذا الطرح أن النموذج التقليدي للمحاسب -الذي يقوم بإدخال البيانات، وترحيل القيود، وإعداد التقارير الروتينية- مهدد بشكل مباشر وسريع، وأن سوق العمل سيحتاج عددًا أقل بكثير من هذه الفئة الوظيفية في غضون سنوات قليلة.

الرأي الثاني: تحوّل في الدور لا اختفاء للمهنة

في المقابل، تطرح دراسات ميدانية وشهادات من داخل المهنة نفسها صورة مختلفة جذريًا. دراسة أجراها باحثون من جامعتي ستانفورد و MIT، شملت استطلاعًا لـ 277 محاسبًا وتحليل بيانات 79 شركة صغيرة ومتوسطة، خلصت إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة فعلًا على تنفيذ جزء من الأعمال الروتينية مثل إدخال البيانات وتنظيم المعلومات، لكنها لا تزال بعيدة عن استبدال المحاسب نفسه.

هذا الرأي يستند إلى تمييز جوهري: الذكاء الاصطناعي يستبدل "المهام"، لا "المهنة". فبينما تُؤتمت الأعمال المتكررة، يرى متخصصون من شركات مراجعة وضرائب كبرى أن دور المحاسب يعاد تشكيله نحو مهام أعلى قيمة: التحليل المالي الاستراتيجي، تقييم المخاطر، والاستشارات المرتبطة باستدامة الأعمال ومعايير الإفصاح البيئي والاجتماعي.

بل إن بعض المتخصصين في هذا المجال يصف الذكاء الاصطناعي وتقنية "البلوك تشين" بأنهما ليسا تهديدًا للمهنة، بل أداة لإعادة تعريف دور المحاسب من "مسجّل للعمليات" إلى "شريك استراتيجي" في صنع القرار داخل المنشأة. وفي هذا الإطار، تشهد المعايير المحاسبية نفسها تطورًا موازيًا: من التقييم بالقيمة الدفترية إلى القيمة العادلة، ومن التركيز على البيانات التاريخية إلى قياس الأثر البيئي والاجتماعي لأنشطة الشركات -وهي مهام تحتاج تقديرًا وحُكمًا مهنيًا بشريًا، لا أتمتة كاملة.

أين تقف "مهمة إدخال البيانات" من كل هذا؟

النقطة المشتركة بين الرأيين، رغم اختلافهما الجذري في الاستنتاج، هي الاتفاق على حقيقة واحدة: العمليات الروتينية -وعلى رأسها إدخال البيانات وترحيل القيود- هي الأكثر عرضة للأتمتة الكاملة، بلا جدل بين الطرفين. الاختلاف الحقيقي هو في الإجابة عن السؤال التالي: إذا اختفت هذه المهام، فهل يختفي معها "المحاسب" كوظيفة، أم يتحرر المحاسب منها لينتقل لدور آخر؟

من يتبنى رأي "الانكماش" يرى أن نسبة كبيرة من المحاسبين الحاليين -خصوصًا في المستويات التنفيذية الأولى ومسك الدفاتر- مرتبطون وظيفيًا بهذه المهام بالذات، وأن تحوّلهم إلى أدوار استراتيجية ليس مضمونًا للجميع؛ فهو يتطلب مهارات تحليلية وتقنية لا تتوافر بالضرورة لدى كل من يحمل اليوم صفة "محاسب".

في المقابل، من يتبنى رأي "إعادة التشكيل" يرى أن المهنة شهدت تحولات جذرية مماثلة من قبل (الانتقال من الدفاتر الورقية إلى البرامج المحاسبية، ثم إلى الأنظمة المتكاملة ERP) ولم تنته المهنة، بل تطورت متطلباتها، وهذا ما يتوقعون تكراره مع الذكاء الاصطناعي.

فجوة إضافية: التكلفة والجاهزية

بُعد آخر يضاف للجدل، وهو أن تبنّي أنظمة الذكاء الاصطناعي في المحاسبة ليس بلا تكلفة؛ فالشركات الصغيرة والمتوسطة -وهي الغالبية العظمى من بيئة الأعمال في كثير من الدول النامية- قد تجد كلفة هذه الأنظمة عالية في مرحلتها الأولى، بينما المكاتب والشركات الكبرى ذات الشراكات الدولية تبدو في موقع أكثر استعدادًا للاستفادة من هذا التحول. هذا يطرح تساؤلًا موازيًا: هل سيكون التأثير على المهنة متساويًا، أم أن الفجوة ستتسع بين المكاتب الكبرى المتسلحة بالتكنولوجيا والمكاتب الصغيرة التي لا تزال تعمل بالطرق التقليدية؟

خلاصة بلا خلاصة

بين توقع يضع المحاسب التقليدي على حافة الاستبدال بحلول 2030، وتوقع آخر يرى فيه "شريكًا استراتيجيًا" يتحرر من العمل الروتيني، تبقى الحقيقة الوحيدة المؤكدة أن طبيعة العمل المحاسبي تتغير الآن، بصرف النظر عن أي من السيناريوهين سيكون الأقرب للواقع خلال السنوات المقبلة.