من «بازل 3» إلى الذكاء الاصطناعي.. الرقابة المالية تعيد رسم قواعد التمويل غير المصرفي

إسلام عزام: منظومة مركزية لمكافحة الاحتيال وربط لحظي مع الشركات.. و74.4 مليار جنيه أرصدة التمويل متناهي الصغر

من «بازل 3» إلى الذكاء الاصطناعي.. الرقابة المالية تعيد رسم قواعد التمويل غير المصرفي
د. اسلام عزام

أكد الدكتور إسلام عزام، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، أن تطوير قطاع التمويل غير المصرفي لا يقاس فقط بنمو أرصدة التمويل وعدد العملاء، وإنما يرتبط كذلك بجودة الخدمات وملاءمة المنتجات وقدرة العملاء على السداد وحمايتهم، باعتبارها ركائز أساسية لتحقيق استدامة القطاع وتعزيز الشمول المالي، خاصة في مجال تمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر.

جاء ذلك خلال مشاركة رئيس الهيئة في فعاليات الملتقى العالمي CERISE+SPTF Global Meeting 2026، الذي يستضيفه الاتحاد المصري لتمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، برعاية الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، وبمشاركة عدد من المسؤولين والخبراء والمتخصصين وممثلي المؤسسات الدولية والمالية.

«بازل 3» يدخل قطاع التمويل غير المصرفي

وكشف إسلام عزام عن استعداد الهيئة لتطبيق معايير «بازل 3» على قطاع التمويل غير المصرفي اعتبارًا من يناير المقبل، في إطار توسيع نطاق إدارة المخاطر داخل الشركات الخاضعة للرقابة.

وأوضح أن تطبيق المعايير لن يقتصر على التعامل مع مخاطر الائتمان، وإنما سيمتد إلى مخاطر أخرى، من بينها مخاطر السوق ومخاطر التشغيل.

وأشار إلى أن الفترة المقبلة ستشهد تعريف الشركات بالمتطلبات الجديدة وتأهيلها للتطبيق، إلى جانب تنظيم محاضرات وفعاليات توعوية لشرح آليات التنفيذ، موضحًا أن بعض الشركات بدأت بالفعل تطبيقًا تجريبيًا للمتطلبات استعدادًا للموعد المحدد.

تشديد قواعد التمويل المسؤول

واستعرض رئيس الرقابة المالية عددًا من الإجراءات والقرارات التي اتخذتها الهيئة لتطوير قواعد التمويل المسؤول، بالاعتماد على الاستعلام الائتماني والتحليل الميداني ودراسة التدفقات النقدية وحساب عبء الدين.

وتستهدف هذه الإجراءات الحد من مخاطر التمويل المتعدد والتعثر والاحتيال، بما يعزز قدرة جهات التمويل على تقييم العملاء بصورة أكثر دقة قبل منح التمويل.

كما أشار إلى إلزام جهات التمويل باستخدام رمز التحقق لمرة واحدة OTP للتأكد من علم العميل بعملية التمويل وموافقته عليها، وفقًا للقرار رقم 133 لسنة 2026، على أن يبدأ التطبيق قبل 11 نوفمبر المقبل.

وتطرق كذلك إلى القرار رقم 27 لسنة 2026 بشأن التغطية التأمينية للعملاء الحاصلين على تمويل متناهي الصغر.

منظومة مركزية لمكافحة الاحتيال

وكشف عزام عن دراسة حزمة من الإجراءات التنظيمية والتكنولوجية لتطوير سوق الخدمات المالية غير المصرفية، تشمل التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات واستخراج المؤشرات.

وتتضمن الخطط كذلك إنشاء منظومة مركزية لمكافحة الاحتيال تتيح تبادل المعلومات المتعلقة بحالات الاحتيال بين القطاعات المختلفة، إلى جانب استحداث أدوات جديدة لتعزيز حماية العملاء ورقمنة الإجراءات الإدارية بصورة كاملة.

وأكد أهمية الربط الإلكتروني مع جميع الشركات الخاضعة لرقابة الهيئة، بما يتيح الحصول على بيانات يومية ولحظية من مختلف أنشطة التمويل غير المصرفي وإجراء تحليلات متقدمة عليها.

وأوضح أن إتاحة جانب من نتائج هذه التحليلات للسوق يمكن أن يساعد الشركات على اتخاذ قرارات أكثر كفاءة، وتوجيه التمويل بصورة تتناسب مع الاحتياجات الفعلية.

مراجعة ضوابط التسعير المسؤول

وأعلن رئيس الهيئة استعداد الرقابة المالية لإجراء حوار مع شركات وجهات تمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر والاتحاد المختص، لمراجعة ضوابط ومعادلة التسعير المسؤول خلال الفترة المقبلة.

ويستهدف الحوار بحث مدى الحاجة إلى تعديل هذه الضوابط، بما يحقق التوازن بين استدامة النشاط وقدرة شركات التمويل على التوسع من جهة، وحماية حقوق العملاء من جهة أخرى.

وأكد عزام أن الهدف الأساسي للرقابة لا يقتصر على التأكد من التزام مقدم الخدمة بالقواعد التنظيمية، وإنما يمتد إلى تقييم ما إذا كانت الممارسة تؤدي فعليًا إلى نتيجة عادلة وآمنة ومستدامة للعميل.

حماية العملاء في مواجهة التحول الرقمي

وشدد رئيس الرقابة المالية على أن وضوح المعلومات المقدمة للعميل، وحماية بياناته، وإتاحة آليات فعالة للشكاوى والتظلمات، وقياس الأثر الحقيقي للخدمة المالية على حياته ونشاطه الاقتصادي، تمثل عناصر أساسية لتحقيق الحماية والتمكين للفئات الأكثر احتياجًا.

وأشار إلى أن التوسع في الخدمات الرقمية يفتح فرصًا للوصول إلى شرائح جديدة من العملاء، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات إضافية تتعلق بالأمن السيبراني والاحتيال، وهو ما يتطلب تطوير مؤشرات الإنذار المبكر وتعزيز أدوات الحماية والاستفادة من البيانات والتحليلات المتقدمة.

التوعية شرط أساسي للشمول المالي

وأكد عزام أن الإتاحة وحدها لا تكفي لتحقيق الشمول المالي، ما لم يصاحبها وعي واسع لدى العملاء بطبيعة الخدمات المالية المتاحة وحقوقهم والتزاماتهم.

وأوضح أن الهيئة تضع التوعية ضمن المحاور الأساسية لتوسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات المالية، وعلى رأسها تمويل المشروعات متناهية الصغر، بما يضمن استخدام المنتجات المالية بصورة آمنة ومسؤولة.

74.4 مليار جنيه أرصدة التمويل متناهي الصغر

وأظهرت مؤشرات نشاط تمويل المشروعات بنهاية الربع الثاني من عام 2026 ارتفاع قيمة التمويل متناهي الصغر إلى نحو 74.4 مليار جنيه، مقابل 64 مليار جنيه بنهاية الربع الثاني من عام 2025، بزيادة بلغت 16%.

ومثلت النساء نحو 52.8% من المستفيدين، بواقع نحو 1.8 مليون سيدة، فيما بلغت أرصدة التمويل الممنوحة لهن نحو 33.7 مليار جنيه، بما يمثل 45.4% من إجمالي أرصدة التمويل.

وبالنسبة لتمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة، تجاوزت أرصدة التمويل 26.8 مليار جنيه بنهاية الربع الثاني من 2026، مقابل 20.7 مليار جنيه خلال الفترة المقارنة، بزيادة بلغت 29.6%.

كما ارتفع عدد المستفيدين من تمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة من نحو 14.5 ألف مستفيد إلى حوالي 17.6 ألف مستفيد.

قفزة 17 مرة في محفظة التمويل متناهي الصغر

من جانبها، أوضحت الدكتورة هالة أبو السعد، رئيسة الاتحاد المصري لتمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، أن الاتحاد يستهدف وصول خدمات حماية العملاء إلى أكثر من 90% من المستفيدين.

وأشارت إلى أن القطاع يعتمد على أكثر من 55 ألف موظف لخدمة أصحاب المشروعات والمزارعين والسيدات، وهو ما يتطلب استمرار التنسيق الرقابي لضبط السوق ومواكبة التحول الرقمي.

وأكدت الدكتورة منى ذو الفقار، مؤسسة الاتحاد وأول رئيسة له، أن التمويل متناهي الصغر شهد نموًا كبيرًا، إذ تضاعفت محفظته التمويلية 17 مرة منذ عام 2016.

كما ارتفع متوسط مستحقات العميل من 3 آلاف جنيه في 2016 إلى 27.6 ألف جنيه بنهاية يونيو 2026، مشددة على أهمية التزام الشركات والمؤسسات بالأطر التنظيمية التي تضعها الهيئة، وتحسين ظروف العمل والحوافز والترقي بما يركز على جودة الخدمة وليس حجم المبيعات فقط.

الرقابة تستهدف استدامة القطاع

وخلال جلسة نقاشية، أكد الدكتور حسام بشير، المشرف على الإدارة المركزية للرقابة على تمويل المشروعات بالهيئة العامة للرقابة المالية، أن الهيئة تعمل على تعزيز الرقابة لضمان تقديم خدمات تمويل مسؤولة وحماية العملاء من المديونيات المفرطة وفقًا للمعايير الدولية.

وأوضح أن استراتيجية الهيئة ترتكز على استقرار واستدامة جهات التمويل غير المصرفية، وتطوير معايير الحوكمة وإدارة المخاطر، بما يتواكب مع التطورات الرقمية ويدعم التحول الآمن نحو التكنولوجيا المالية.

وتعكس الإجراءات الجديدة توجه الرقابة المالية نحو بناء منظومة تمويل غير مصرفي تجمع بين التوسع في الإتاحة، وحماية العملاء، وإدارة المخاطر، والتحول الرقمي، ومكافحة الاحتيال، بما يدعم استدامة نمو القطاع وزيادة مساهمته في تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر.