مفارقة «الطاقة الصفرية».. أسعار الكهرباء في ألمانيا وفرنسا تهبط إلى مستويات سلبية تاريخية
شهدت أسواق الكهرباء الأوروبية خلال عطلة عيد الفصح هبوطًا غير مسبوق في الأسعار، حيث سجلت ألمانيا -323.96 يورو للميجاوات وفرنسا -230.31 يورو نتيجة فائض إنتاج الطاقة الشمسية والرياح وتراجع الطلب الصناعي. ويرى خبراء أن الأسعار السلبية تعكس ضعف قدرات التخزين، مع وصول تكاليف موازنة الشبكة في ألمانيا إلى -4,631 يورو للميجاوات في الذروة. في المقابل، رفعت حرب إيران تكاليف الطاقة عالميًا وأشعلت التضخم في دول مثل تركيا والهند مع اضطراب الملاحة. كما تهدد موجات الجفاف أوروبا بخسائر قد تصل إلى 126 مليار يورو بحلول 2029.
فائض الرياح والشمس يدفع الشبكات لدفع المال مقابل الاستهلاك.. بينما حرب إيران ترفع تكاليف الطاقة عالميًا وتؤجج التضخم
في مشهد اقتصادي يعكس تناقضات حادة داخل سوق الطاقة العالمي، سجلت أسواق الكهرباء الأوروبية خلال عطلة عيد الفصح تطورًا استثنائيًا بعدما هبطت أسعار الكهرباء في كل من ألمانيا وفرنسا إلى مستويات سلبية تاريخية، ما يعني فعليًا أن شبكات الكهرباء أصبحت تدفع للمستهلكين مقابل استهلاك الطاقة، في ظاهرة ترتبط مباشرة بفائض الإنتاج المتجدد وضعف قدرات التخزين.
وبحسب بيانات الأسواق الأوروبية، جاءت هذه القفزة السلبية نتيجة تزامن ذروة إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح مع انخفاض النشاط الصناعي خلال عطلة عيد الفصح، ما تسبب في وفرة كبيرة بالمعروض مقابل طلب ضعيف، الأمر الذي دفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.
أسعار الكهرباء في ألمانيا تهوي إلى -323.96 يورو وفرنسا تسجل -230.31 يورو
سجلت أسعار الكهرباء في ألمانيا نحو -323.96 يورو للميجاوات/ساعة، بينما انخفضت في فرنسا إلى -230.31 يورو للميجاوات/ساعة، في واحدة من أكثر موجات الهبوط حدة في تاريخ أسواق الطاقة الأوروبية.
ويعكس هذا التطور حجم الاعتماد المتزايد على مصادر الطاقة المتجددة في القارة الأوروبية، حيث ارتفع الإنتاج بشكل يفوق قدرة الشبكات على الاستيعاب، خاصة في ساعات الذروة التي تشهد إنتاجًا مرتفعًا للطاقة الشمسية والرياح.
«الطاقة المتجددة» تُغرق السوق.. لكن التخزين يتحول إلى الحلقة الأضعف
رغم أن الأسعار السلبية تبدو ظاهريًا كإشارة إيجابية لوفرة الكهرباء، فإن خبراء الطاقة يرون أنها تعكس خللًا هيكليًا داخل منظومة إدارة الشبكات، حيث لم تنجح أنظمة التخزين الحالية في استيعاب فائض الإنتاج المتجدد.
وبحسب تقديرات صادرة عن معهد فراونهوفر، غطت طاقة الرياح وحدها نحو 80% من الطلب في ألمانيا خلال فترة الذروة، إلا أن غياب البطاريات العملاقة ومحدودية حلول التخزين دفعا الشبكة إلى التخلص من الفائض عبر خفض الأسعار إلى مستويات سلبية.
ويرى خبراء أن استمرار هذه الظاهرة قد يرفع تكاليف موازنة الشبكات على المدى الطويل، ويضغط على عوائد الاستثمار في الطاقة المتجددة إذا لم يتم تطوير حلول تخزين مرنة وفعالة.
تكاليف موازنة الشبكة تصل إلى -4,631 يورو للميجاوات في لحظات الذروة
وأظهرت بيانات السوق أن تكاليف موازنة النظام الكهربائي في ألمانيا وصلت إلى مستويات قياسية بلغت -4,631 يورو للميجاوات/ساعة في بعض لحظات الذروة، نتيجة الفائض الكبير الذي تحول إلى عبء تشغيلي على الشبكة.
وتوضح هذه الأرقام أن الأسواق الأوروبية لم تعد تواجه أزمة نقص في الطاقة، بقدر ما تواجه تحديًا في كيفية إدارة الفائض وتوجيهه نحو التخزين أو إعادة التوزيع أو الاستخدام الصناعي.
حرب إيران تشعل الجانب الآخر من العالم.. اضطرابات الملاحة ترفع أسعار الوقود عالميًا
في المقابل، وعلى الجانب الآخر من العالم، تسيطر صورة مغايرة تمامًا، إذ تسببت الحرب على إيران في اضطراب أسواق الطاقة العالمية ورفع مستويات المخاطر الجيوسياسية، خاصة مع تأثر حركة الملاحة في مضيق هرمز وقناة السويس، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن وسلاسل الإمداد.
وتشير تقارير محلية ودولية إلى أن دولًا مثل تركيا والهند تواجه ضغوطًا تضخمية متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية، في وقت باتت فيه تكاليف الإنتاج تتصاعد بصورة حادة نتيجة اضطراب الإمدادات.
الأعلاف ترتفع بأكثر من 85%.. والسلع الغذائية تحت ضغط تضخمي
ووفقًا للتقديرات، شهدت أسعار مدخلات الإنتاج الزراعي قفزة كبيرة، خاصة في قطاع الأعلاف، حيث تجاوزت الزيادة 85%، ما انعكس بشكل مباشر على أسعار الدواجن والمنتجات الغذائية في عدد من الأسواق الناشئة.
ويحذر محللون من أن استمرار هذا الاتجاه قد يدفع التضخم العالمي إلى مستويات أعلى خلال عام 2026، خاصة في الاقتصادات المستوردة للطاقة التي تعتمد على الوقود المستورد وتواجه أعباء مالية متزايدة.
«الحرب المناخية» تضيف عبئًا جديدًا.. خسائر أوروبا قد تصل إلى 126 مليار يورو بحلول 2029
ولا تتوقف الضغوط عند التوترات العسكرية، إذ تفرض التغيرات المناخية تحديًا اقتصاديًا واسعًا على أوروبا، حيث تشير البيانات إلى أن الخسائر الاقتصادية المتوقعة قد تصل إلى 126 مليار يورو بحلول عام 2029.
وتظهر المؤشرات أن نحو 51% من القارة الأوروبية تعاني حاليًا من موجة جفاف تعد الأشد منذ عام 2012، وهو ما يهدد قطاعات استراتيجية مثل الزراعة والسياحة والإنتاجية الصناعية، خاصة في دول كبرى مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا.
أمن الطاقة العالمي بين فائض الشمال واضطرابات الجنوب
ويرى خبراء أن ما يحدث في أوروبا من أسعار سلبية للكهرباء، مقابل ارتفاع تكاليف الطاقة في مناطق أخرى بسبب النزاعات، يعكس بوضوح أن أمن الطاقة العالمي بات رهينة لعاملين رئيسيين: التوسع السريع في الطاقة المتجددة في الشمال، مقابل هشاشة الملاحة وسلاسل الإمداد في الجنوب.
وبينما تبدو وفرة الكهرباء في ألمانيا وفرنسا مؤشرًا على نجاح التحول للطاقة النظيفة، فإنها في الوقت نفسه تبرز ضعف البنية التحتية للتخزين، ما يحول الفائض إلى أزمة تشغيلية.
ويحذر خبراء الطاقة من أن عام 2026 قد يشهد إعادة رسم للخريطة الاقتصادية العالمية، مع تزايد تأثيرات المناخ والتوترات الجيوسياسية على أسواق الطاقة والتضخم والنمو.








