حقول البترول قبل حرب أكتوبر.. ثروة مصرية في قلب سيناء

من جمسة إلى بلاعيم والمرجان.. كيف أصبحت سيناء وخليج السويس قلب الصناعة البترولية المصرية؟

حقول البترول قبل حرب أكتوبر.. ثروة مصرية في قلب سيناء
البترول في حرب أكتوبر

قبل أن تبدأ معركة السادس من أكتوبر 1973، كانت مصر قد قطعت شوطًا مهمًا في بناء صناعة بترول وطنية، وأصبحت مناطق سيناء وخليج السويس تمثل واحدة من أهم ركائز إنتاج الزيت الخام في البلاد.

ولم تكن أهمية هذه المناطق عسكرية وجغرافية فقط، وإنما كانت تحمل تحت أرضها وفي مياهها ثروة بترولية جعلتها جزءًا مهمًا من المعادلة الاقتصادية والاستراتيجية المصرية.

البداية.. أكثر من 100 عام من البترول المصري

ترجع البدايات الحديثة لصناعة البترول المصرية إلى عام 1886، عندما بدأت الحكومة حفر أول بئر في منطقة جمسة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، قبل أن يبدأ الإنتاج التجاري من الحقل في عام 1910.

ومع توالي عمليات البحث والاستكشاف، توسعت صناعة البترول المصرية تدريجيًا، وظهرت الحاجة إلى إنشاء معامل التكرير وشركات وطنية لإدارة الثروة البترولية.

وفي عام 1957 تأسست الشركة العامة للبترول كأول شركة بترول مصرية مملوكة بالكامل للدولة تعمل في مجالات البحث والإنتاج، في خطوة عكست توجه الدولة نحو تعزيز دورها في إدارة مواردها البترولية.

بلاعيم.. بداية عصر البترول البحري

شهد عام 1961 نقطة تحول مهمة عندما تم اكتشاف حقل بلاعيم البحري، الذي تصفه وزارة البترول بأنه أول حقل بترول بحري في مصر والشرق الأوسط.

ومع هذا الاكتشاف، دخلت مصر مرحلة جديدة في صناعة البترول، فلم يعد النشاط يتركز فقط في الحقول البرية، وإنما امتد إلى مياه خليج السويس، التي أصبحت لاحقًا من أهم مناطق الإنتاج البترولي في مصر.

المرجان.. اكتشاف غيّر خريطة الإنتاج

وفي عام 1965 تأسست شركة بترول خليج السويس «جابكو» للبحث عن الزيت الخام، وشهد العام نفسه اكتشاف حقل المرجان في خليج السويس، الذي بدأ الإنتاج عام 1967.

وكان لهذا الكشف تأثير كبير على إنتاج مصر من الخام، خاصة بعد حرب يونيو 1967، إذ ساعدت الزيادة الكبيرة في إنتاج المرجان على تعويض جانب مهم من الانخفاض الناتج عن فقدان حقول سيناء.

وتشير بيانات تاريخية للبنك الدولي إلى أن حقول سيناء كانت تنتج نحو 4 ملايين طن سنويًا قبل فقدان السيطرة عليها عام 1967، بينما ارتفع إنتاج المرجان من نحو نصف مليون طن في 1966/1967 إلى قرابة 5 ملايين طن في العام التالي، ثم واصل ارتفاعه خلال السنوات التالية.

البترول في قلب حسابات ما بعد 1967

أدى احتلال سيناء عام 1967 إلى فقدان مصر السيطرة على مجموعة من الحقول البترولية المهمة، وهو ما جعل البترول جزءًا من الخسائر الاقتصادية المباشرة للحرب.

لكن أهمية البترول لم تتوقف عند حجم الإنتاج المفقود، إذ أصبحت حقول سيناء وخليج السويس مرتبطة بصورة مباشرة بأمن الطاقة المصري، وبقدرة الدولة على توفير احتياجاتها من الخام والمنتجات البترولية.

وفي المقابل، ساهم تطوير حقول أخرى، وعلى رأسها المرجان، في الحد من تأثير فقدان جزء من إنتاج سيناء، إلى جانب الاتجاه إلى تطوير مناطق جديدة في الصحراء الغربية وخليج السويس.

معامل التكرير.. استعداد اقتصادي لظروف الحرب

لم يقتصر التخطيط البترولي على زيادة الإنتاج، بل امتد إلى توزيع طاقات التكرير جغرافيًا.

فبعد حرب 1967، تم تشغيل مصفاة القاهرة عام 1969، ثم مصفاة العامرية عام 1972، ومصفاة طنطا عام 1973، في إطار سياسة استهدفت عدم تركيز معامل التكرير في منطقة السويس وحدها.

وكان لهذا التوجه أهمية كبيرة في ظل الظروف العسكرية، لأنه وفر قدرًا أكبر من المرونة في تأمين إمدادات المنتجات البترولية، حتى مع تعرض منطقة قناة السويس وخليج السويس لمخاطر الحرب.

1973.. البترول يتحول إلى ملف استراتيجي

وصلت أهمية البترول إلى مرحلة جديدة مع إنشاء أول وزارة مستقلة للبترول في مصر في مارس 1973، قبل حرب أكتوبر بأشهر قليلة.

ووفقًا لوزارة البترول، تولت الوزارة الجديدة المسؤولية الكاملة عن الصناعة، بما يشمل أدوارها السياسية والاستراتيجية والاقتصادية، في إطار الاستعداد لحرب أكتوبر. وفي العام نفسه انضمت مصر إلى منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول «أوابك».

وهكذا، عشية حرب أكتوبر، لم يعد البترول مجرد نشاط اقتصادي يهدف إلى تحقيق الإنتاج، وإنما أصبح جزءًا من حسابات الدولة الاستراتيجية، سواء فيما يتعلق بتأمين الاحتياجات المحلية أو بإدارة الموارد الموجودة في المناطق المحتلة.

من الثروة إلى الهدف العسكري

مع اندلاع حرب أكتوبر، دخلت حقول البترول في سيناء وخليج السويس مرحلة جديدة.

فالحقول التي كانت قبل سنوات مصدرًا للإنتاج والثروة أصبحت مرتبطة مباشرة بالمعركة، خاصة في ظل سيطرة إسرائيل على مناطق بترولية في سيناء.

ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة من قصة البترول المصري: كيف تعاملت القوات المصرية مع المنشآت والآبار البترولية أثناء الحرب؟ ولماذا أصبحت بلاعيم وأبو رديس أهدافًا عسكرية؟

هذه هي القصة التي نكشف تفاصيلها في الحلقة الثانية من سلسلة «البترول في حرب أكتوبر».