الحلقة الثانية من سلسلة " البترول في حرب أكتوبر ".. البترول تحت النيران.. كيف دخلت حقول سيناء معركة أكتوبر؟

يتناول التقرير دور حقول البترول في حرب أكتوبر 1973، وكيف تحولت مناطق بلاعيم وأبو رديس في سيناء وخليج السويس إلى أهداف عسكرية. ويستعرض البيان رقم 18 للقيادة العامة للقوات المسلحة الذي أعلن استهداف آبار البترول في بلاعيم لحرمان إسرائيل من الاستفادة من بترول سيناء، إلى جانب دور القوات البحرية والصاعقة والضفادع البشرية في استهداف المنشآت وخطوط الأنابيب وتأمين البحر الأحمر وتعطيل إمدادات البترول المتجهة إلى إسرائيل خلال الحرب.

الحلقة الثانية  من سلسلة " البترول في حرب أكتوبر ".. البترول تحت النيران.. كيف دخلت حقول سيناء معركة أكتوبر؟
حقول بتروبل

من بلاعيم إلى أبو رديس.. عندما أصبحت آبار النفط جزءًا من أهداف المعركة

في الحلقة الأولى من سلسلة «البترول في حرب أكتوبر»، تناولنا كيف تحولت سيناء وخليج السويس قبل الحرب إلى واحدة من أهم مناطق إنتاج الزيت الخام في مصر، وكيف أصبحت حقول البترول جزءًا من الخسائر الاقتصادية والاستراتيجية التي ترتبت على احتلال سيناء عام 1967.

ومع اندلاع حرب أكتوبر 1973، تغيرت طبيعة هذه الحقول؛ فلم تعد مجرد منشآت إنتاجية، وإنما أصبحت جزءًا من الحسابات العسكرية للمعركة.

لماذا دخل البترول دائرة الاستهداف؟

كانت إسرائيل قد أصبحت تسيطر على مناطق بترولية مهمة في سيناء بعد حرب يونيو 1967، ومن بينها مناطق أبو رديس وبلاعيم.

وبالتالي، كان استمرار تشغيل واستغلال هذه الحقول يعني استفادة إسرائيل من مورد اقتصادي موجود في أرض مصرية محتلة.

ومن هنا ظهر هدف واضح لدى القيادة المصرية: حرمان إسرائيل من الاستفادة من بترول سيناء.

بيان عسكري يكشف الهدف

في 8 أكتوبر 1973، أي بعد يومين من اندلاع الحرب، صدر البيان رقم 18 للقيادة العامة للقوات المسلحة، وأعلن صراحة أن القوات المصرية تلقت أمرًا بالعمل على حرمان إسرائيل من الاستفادة من بترول سيناء.

وأعلن البيان أن القوات المصرية أغارت على مناطق آبار البترول على شاطئ خليج السويس في بلاعيم، وأشعلت النيران في الآبار، كما اشتبكت مع قوات إسرائيلية في المنطقة.

وأضاف البيان أن القوات المصرية دمرت وأغرقت حفارًا كان يستخدمه الجانب الإسرائيلي في أعمال البحث والتنقيب عن البترول، قبل أن تعود القوات إلى قواعدها.

وهذه الواقعة تمثل أحد أوضح الأدلة على أن الثروة البترولية كانت حاضرة داخل الحسابات العسكرية لحرب أكتوبر.

بلاعيم.. هدف استراتيجي

اختيار منطقة بلاعيم لم يكن عشوائيًا.

فالمنطقة كانت من أهم مناطق الإنتاج البترولي التي ارتبطت تاريخيًا بصناعة النفط المصرية، كما كانت تضم منشآت وآبارًا ومنصات مرتبطة بالإنتاج والنقل والتخزين.

ولهذا أصبحت المنطقة هدفًا للعمليات التي استهدفت تقليل قدرة إسرائيل على استغلال الموارد البترولية المصرية الموجودة في سيناء.

أبو رديس.. البترول على خط المواجهة

لم تتوقف العمليات عند بلاعيم.

فقد شملت العمليات العسكرية منطقة أبو رديس، وهي من المناطق البترولية الرئيسية في جنوب سيناء.

وتشير الدراسات العسكرية المنشورة إلى تنفيذ إغارات على مناطق أبو رديس وبلاعيم، استهدفت المنصات البترولية والخزانات والمنشآت السطحية، إلى جانب عمليات للضفادع البشرية ضد البنية الأساسية وخطوط الأنابيب تحت المياه.

وهنا تظهر طبيعة مختلفة للحرب؛ إذ لم يكن استهداف المنشآت البترولية مرتبطًا فقط بتدمير معدات، وإنما بمحاولة التأثير في قدرة الخصم على إنتاج ونقل والاستفادة من البترول.

القوات البحرية في معركة البترول

لعبت القوات البحرية المصرية دورًا مهمًا في تأمين مسرح العمليات في البحر الأحمر وخليج السويس.

وشملت العمليات فرض حصار بحري على مناطق مختلفة من البحر الأحمر، إلى جانب استخدام الصاعقة البحرية والضفادع البشرية في محيط مناطق المنصات البترولية في بلاعيم وأبو رديس.

وتذكر دراسة للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية أن الضفادع البشرية نفذت عمليات ضد البنية الأساسية وخطوط الأنابيب تحت المياه أكثر من مرة خلال الحرب.

كما استهدفت العمليات البحرية منع وصول إمدادات البترول إلى إسرائيل عبر البحر الأحمر، وهو ما أضاف بعدًا اقتصاديًا إلى العمليات العسكرية.

البترول والبحر الأحمر.. معركة إمدادات

لم تكن أهمية خليج السويس مرتبطة فقط بالحقول الموجودة داخله، وإنما بموقعه ضمن طرق النقل البحري.

وكانت السيطرة على مداخل البحر الأحمر وخليج السويس تؤثر في حركة السفن والإمدادات المتجهة إلى إسرائيل.

وبحسب دراسة المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، أدت العمليات البحرية المصرية إلى تعطيل خطوط إمداد بحرية مرتبطة بإسرائيل، بما في ذلك تدفقات البترول إلى ميناء إيلات.

من البئر إلى المعركة

تكشف وقائع أكتوبر 1973 أن البترول كان حاضرًا في الحرب على أكثر من مستوى:

البئر: منع إسرائيل من استغلال آبار سيناء.

المنشأة: استهداف المنصات والخزانات والبنية الأساسية.

الأنبوب: التأثير في خطوط نقل البترول.

البحر: تعطيل حركة السفن والإمدادات البترولية.

الاقتصاد: تقليل الموارد التي يمكن أن تستفيد منها إسرائيل من الأراضي المحتلة.

وهكذا، أصبحت صناعة البترول نفسها جزءًا من مسرح العمليات.

لكن المعركة لم تكن مصرية فقط

في الوقت الذي كانت فيه القوات المصرية تخوض عمليات عسكرية في سيناء وخليج السويس، كانت الدول العربية المنتجة للبترول تستعد لاستخدام سلاح مختلف.

فمع استمرار الحرب والدعم الغربي لإسرائيل، انتقل الصراع إلى مستوى آخر: أسواق النفط العالمية.

وفي الحلقة الثالثة من سلسلة «البترول في حرب أكتوبر» ننتقل من آبار سيناء إلى العواصم العالمية، لنعرف كيف تحول النفط العربي إلى ورقة ضغط اقتصادية وسياسية خلال الحرب.