إيناس العدوي تكتب :الهيدروجين الأخضر.. فرصة تاريخية لاقتصاد جديد أم رهان طويل المدى
في عالم يتغير بسرعة تحت ضغط أزمات المناخ وتقلبات أسواق الطاقة، لم يعد الهيدروجين الأخضر مجرد فكرة نظرية أو شعار بيئي، بل تحول إلى محور رئيسي في معركة اقتصادية عالمية لإعادة رسم خريطة إنتاج الطاقة وتصديرها. وبينما تسعى الدول الصناعية لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، تظهر مصر كواحدة من أبرز الدول المرشحة للعب دور محوري في هذا السوق الجديد، مدفوعة بموقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية وإمكاناتها الاستثمارية.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل تتحول مصر بالفعل إلى مركز إقليمي للهيدروجين الأخضر، أم أن التحديات المالية والتقنية قد تجعل هذا الطموح مشروعًا طويل الأجل يتجاوز التوقعات؟
ما هو الهيدروجين الأخضر ولماذا يراهن عليه العالم؟
الهيدروجين في الأساس عنصر طاقي شديد الأهمية، لكنه لا يوجد في الطبيعة بصورة جاهزة، بل يحتاج إلى عمليات إنتاج مكلفة. ويُطلق عليه "الهيدروجين الأخضر" عندما يتم إنتاجه عبر التحليل الكهربائي للمياه باستخدام كهرباء مولدة من مصادر الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح، وهو ما يجعل العملية شبه خالية من الانبعاثات الكربونية.
وتكمن أهمية هذا النوع من الهيدروجين في أنه يقدم حلًا عمليًا لمشكلة الطاقة المتجددة، التي تُعد طاقة متقطعة بطبيعتها، حيث يمكن للهيدروجين أن يعمل كوسيلة لتخزين الطاقة وتحويلها لاحقًا إلى كهرباء أو وقود نظيف عند الحاجة.
لماذا مصر ضمن الدول المرشحة بقوة؟
في السنوات الأخيرة، بدأت مصر تتحرك بخطوات واضحة نحو اقتصاد الطاقة النظيفة، ليس فقط بهدف تقليل الانبعاثات، بل لإدراكها أن سوق الطاقة العالمي يعاد تشكيله من جديد.
وتمتلك مصر مقومات تجعلها منافسًا قويًا في ملف الهيدروجين الأخضر، أبرزها وفرة الشمس والرياح خاصة في مناطق البحر الأحمر وخليج السويس، مساحة صحراوية ضخمة تسمح بإقامة محطات طاقة عملاقة، قرب جغرافي مباشر من أوروبا التي تعد السوق الأكبر طلبًا للهيدروجين الأخضر، قناة السويس كممر تجاري عالمي يرفع من القيمة اللوجستية لمصر، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس كمركز صناعي قادر على جذب الاستثمارات وتوطين التكنولوجيا.
هذه العناصر تمنح مصر أفضلية نسبية مقارنة بالعديد من الدول، وتجعلها مرشحة لتكون "منصة تصدير" للهيدروجين الأخضر نحو أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا.
مشروعات الهيدروجين الأخضر في مصر.. استثمارات بالمليارات وطموح للتصدير
اللافت في التجربة المصرية أن مشروعات الهيدروجين الأخضر لا تستهدف الاستهلاك المحلي فقط، بل ترتكز بشكل أساسي على التصدير، وهو ما يعكس فهمًا استراتيجيًا لحجم الطلب العالمي المتوقع خلال العقد المقبل.
وشهدت مصر توقيع عدد كبير من مذكرات التفاهم والاتفاقات مع تحالفات دولية كبرى، خاصة في العين السخنة ورأس شقير ومناطق متعددة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، لإقامة مشروعات لإنتاج الهيدروجين الأخضر وتحويله إلى الأمونيا الخضراء التي تعد الشكل الأكثر سهولة في النقل والتخزين والتصدير.
وتشير التقديرات إلى أن قيمة الاستثمارات المعلنة والمستهدفة في هذا القطاع تتجاوز عشرات المليارات من الدولارات، في إطار خطة طويلة الأجل تهدف لتحويل مصر إلى مركز إنتاج وتصدير للطاقة النظيفة.
الطاقة الإنتاجية.. وخطة مصر
رغم أن الإنتاج التجاري للهيدروجين الأخضر عالميًا ما زال في بدايته، إلا أن مصر تستهدف مضاعفة قدراتها الإنتاجية خلال السنوات المقبلة بالتزامن مع دخول المشروعات الجديدة مرحلة التشغيل.
وتعتمد هذه الطموحات بشكل مباشر على توسع الدولة في إنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة، إذ إن تكلفة الكهرباء تمثل العامل الأكبر في تحديد سعر الهيدروجين الأخضر عالميًا. وبالتالي، فإن نجاح مصر في ملف الهيدروجين يرتبط ارتباطًا وثيقًا بخططها لزيادة مساهمة الطاقة الشمسية والرياح في الشبكة القومية.
استخدامات الهيدروجين الأخضر.. وقود متعدد الأدوار
الهيدروجين الأخضر لا يقتصر على كونه بديلًا للغاز أو النفط، بل يمثل عنصرًا أساسيًا لإزالة الكربون من قطاعات يصعب تحويلها للكهرباء المباشرة، وأبرز استخداماته تشمل إنتاج الأمونيا الخضراء لصناعة الأسمدة، تشغيل الشاحنات والقطارات والسفن كوقود نظيف، دعم الصناعات الثقيلة مثل الحديد والصلب والأسمنت، تخزين الطاقة المتجددة على نطاق واسع وإعادة استخدامها، توليد الكهرباء عند الحاجة من خلال خلايا الوقود.
وهنا تكمن قيمته الحقيقية، إذ لا ينافس الطاقة المتجددة بل يعمل كحل مكمل لها، ويمنحها قدرة على الاستقرار والاستمرارية.
الجدوى الاقتصادية.. هل يتحول الهيدروجين إلى مصدر دخل جديد؟
اقتصاديًا، تبرز أهمية الهيدروجين الأخضر باعتباره فرصة لإنشاء قطاع إنتاجي جديد، يمكنه أن يحقق عدة مكاسب مباشرة لمصر، أبرزها زيادة عائدات التصدير مع توقع ارتفاع الطلب الأوروبي والآسيوي، يمكن للهيدروجين الأخضر أن يصبح مصدرًا جديدًا للعملة الأجنبية، خاصة مع امتلاك مصر ميزة القرب من الأسواق الأوروبية.
جذب الاستثمارات الأجنبية الهيدروجين الأخضر أصبح أحد أهم قطاعات الاستثمار عالميًا، والدخول المبكر فيه يمنح مصر فرصة جذب تحالفات وشركات كبرى تبحث عن مناطق إنتاج منخفضة التكلفة.
خلق فرص عمل وتوطين التكنولوجيا بإنشاء مشروعات الهيدروجين يعني إقامة محطات طاقة، مصانع تحليل كهربائي، بنية لوجستية وموانئ تصدير، وهو ما يفتح الباب أمام فرص عمل واسعة وتوطين صناعات جديدة.
تحفيز الصناعة المحلية ، فالهيدروجين يمكن أن يكون وقودًا أساسيًا لصناعة الأسمدة والبتروكيماويات والصلب، ما يمنح مصر ميزة تنافسية في الأسواق العالمية التي تفرض معايير بيئية صارمة.
الجدوى البيئية.. سلاح ضد الانبعاثات وتلوث الصناعة
بيئيًا، يمثل الهيدروجين الأخضر عنصرًا محوريًا في خفض الانبعاثات، لأنه يتيح إنتاج طاقة دون إطلاق ثاني أكسيد الكربون، كما أنه قادر على تقليل التلوث الناتج عن الصناعات الثقيلة، التي تعد من أكبر مصادر الانبعاثات عالميًا.
وبالنسبة لمصر، فإن البعد البيئي للهيدروجين لا يقتصر على تحسين جودة الهواء، بل يرتبط أيضًا بمستقبل التصدير، خاصة أن أوروبا بدأت بالفعل في تطبيق إجراءات مثل "ضريبة الكربون" على المنتجات كثيفة الانبعاثات، ما يجعل الطاقة النظيفة ميزة اقتصادية قبل أن تكون التزامًا بيئيًا.
الدول المنتجة للهيدروجين الأخضر.. سباق عالمي على سوق المستقبل
العالم اليوم يشهد سباقًا متصاعدًا للسيطرة على سوق الهيدروجين، وتبرز دول مثل:
ألمانيا والاتحاد الأوروبي كمستورد وممول رئيسي للمشروعات، اليابان وكوريا الجنوبية كأكبر المستهلكين المحتملين عالميًا، الصين كمطور رئيسي للتكنولوجيا، أستراليا كمرشح قوي للتصدير، السعودية والإمارات عبر مشروعات ضخمة مثل "نيوم".
وفي هذا السباق، تمتلك مصر فرصة فريدة لأنها تقع في موقع استراتيجي بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، ما يمنحها ميزة لا تتوفر لكثير من المنافسين.
الهيدروجين الأخضر اﻷزرق والوردي.. ما الفرق؟
لفهم الصورة بشكل أكثر دقة، لا بد من التمييز بين نوعين رئيسيين: نوعين
الهيدروجين الأخضر
يتم إنتاجه عبر التحليل الكهربائي للمياه باستخدام كهرباء من الطاقة المتجددة، وهو الأكثر قبولًا عالميًا باعتباره وقودًا نظيفًا بالكامل تقريبًا.
الهيدروجين الأزرق
الهيدروجين الوردي
يتم إنتاجه بالطريقة نفسها، لكن الكهرباء المستخدمة تأتي من الطاقة النووية، وهو ما يجعله منخفض الانبعاثات أيضًا، لكنه مرتبط ببنية تحتية نووية وتكاليف استثمارية مختلفة.
وبينما يعد الأخضر خيارًا مثاليًا للدول الغنية بالشمس والرياح مثل مصر، فإن الوردي قد يكون أكثر جاذبية للدول التي تمتلك محطات نووية قادرة على توفير كهرباء مستقرة على مدار الساعة.
التحديات.. لماذا قد يتأخر التنفيذ رغم الطموح؟
رغم الفرصة الضخمة، يبقى ملف الهيدروجين الأخضر واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا في التنفيذ، لأن نجاحه يعتمد على عدة عوامل، أبرزها ارتفاع تكلفة تقنيات التحليل الكهربائي رغم انخفاضها المتوقع مستقبلًا، الحاجة إلى بنية تحتية ضخمة للنقل والتخزين والتصدير، ضرورة توفير المياه وتحلية مياه البحر لتلبية احتياجات الإنتاج، وتوفير كهرباء متجددة بأسعار تنافسية عالميًا، سرعة إصدار التشريعات المنظمة وحوافز الاستثمار.
ومن دون مواجهة هذه التحديات، قد تتحول بعض الاتفاقات إلى مشروعات مؤجلة أو بطيئة التنفيذ، خاصة مع تغير ظروف التمويل العالمية وارتفاع تكلفة الاقتراض.
الهيدروجين الأخضر ليس مشروع طاقة.. بل مشروع دولة
الهيدروجين الأخضر يمثل بالنسبة لمصر فرصة تاريخية لإعادة تعريف دورها في سوق الطاقة العالمي، لكنه ليس مشروعًا قصير المدى يمكن قياس نتائجه سريعًا، بل رهان استراتيجي يتطلب إدارة دقيقة واستثمارات طويلة الأجل وبنية تحتية متطورة.
وإذا نجحت مصر في تحويل الطموح إلى صناعة متكاملة، فإن الهيدروجين الأخضر قد يتحول بالفعل إلى "ذهب المستقبل"، ويضع البلاد على خريطة الاقتصاد الأخضر العالمي، ليس فقط كمصدر للطاقة، بل كمركز صناعي وتصديري قادر على المنافسة في واحدة من أكبر معارك القرن الحادي والعشرين.








