أحمد أشرف يكتب: الحزمة الضريبية 2026... هل أعادت الدولة رسم العلاقة بين الممول والإدارة الضريبية؟ 

بقلم/ أحمد أشرف_ محاسب وخبير ضرائب 

أحمد أشرف يكتب: الحزمة الضريبية 2026... هل أعادت الدولة رسم العلاقة بين الممول والإدارة الضريبية؟ 
أحمد أشرف_ محاسب وخبير ضرائب 

لم تعد التشريعات الضريبية في الدول الحديثة تقتصر على تحديد سعر الضريبة أو توسيع نطاق الخضوع لها، بل أصبحت أداة لإدارة النشاط الاقتصادي، وتحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز الامتثال الطوعي، وتحقيق التوازن بين حقوق الخزانة العامة وحقوق الممولين. ومن هذا المنطلق جاءت الحزمة الضريبية التي أقرها مجلس النواب، والتي شملت تعديلات على قوانين الضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة والإجراءات الضريبية الموحدة، في محاولة لإعادة صياغة المنظومة الضريبية بما يتواكب مع التحول الرقمي ومتطلبات الاقتصاد المصري.  

ورغم أن الاهتمام الإعلامي انصب على السلع التي ارتفعت أو انخفضت الضريبة عليها، فإن قراءة النصوص تكشف أن فلسفة التعديلات أعمق من مجرد زيادة الحصيلة، إذ اتجه المشرع إلى معالجة مشكلات تطبيقية صاحبت القوانين خلال السنوات الماضية، وتقليل حالات الاختلاف بين الممولين ومصلحة الضرائب، مع إعادة تنظيم بعض المعاملات التي كانت تثير جدلًا في التطبيق. 

أولًا... ضريبة الدخل.. من الجباية إلى اليقين الضريبي 

جاءت تعديلات قانون الضريبة على الدخل لتعالج عددًا من المسائل التي أثارت نزاعات متكررة، ومن أبرزها الأحكام المتعلقة بالديون المعدومة وبعض الضوابط الخاصة بحساب الوعاء الضريبي، بما يهدف إلى ربط الضريبة بالواقع الاقتصادي الحقيقي، وليس بالأرقام الدفترية فقط. كما تضمنت التعديلات تيسيرات وإعادة تنظيم لبعض الإجراءات بما يقلل من الخلافات بين الممول والإدارة الضريبية.  

ويبدو أن المشرع أراد من خلال هذه التعديلات تحقيق ما يعرف بـ "اليقين الضريبي"، وهو أحد أهم المبادئ التي تقوم عليها الأنظمة الضريبية الحديثة، حيث يستطيع المستثمر أو صاحب النشاط معرفة التزاماته الضريبية بصورة واضحة، بعيدًا عن اختلاف التفسيرات أو تضارب الاجتهادات. 

ثانيًا... القيمة المضافة.. إعادة توزيع للعبء الضريبي 

كانت تعديلات قانون الضريبة على القيمة المضافة الأكثر إثارة للنقاش، لأنها مست قطاعات اقتصادية متعددة. 

فعلى الجانب الاجتماعي، اتجه المشرع إلى خفض الضريبة على بعض الأجهزة الطبية إلى 5% مع استمرار إعفاء أجهزة الغسيل الكلوي، وهو ما يعكس توجهًا لدعم القطاع الصحي وعدم تحميل المرضى أعباء إضافية. وفي المقابل، أخضع تأجير المباني والوحدات الإدارية للضريبة بالسعر العام، كما أعاد تنظيم المعاملة الضريبية لبعض السلع مثل المنظفات والجبس، وفرض معاملة محددة على الغاز الطبيعي في بعض الاستخدامات.  

ويرى المؤيدون أن هذه التعديلات تحقق قدرًا أكبر من العدالة الضريبية، لأنها توحد المعاملة بين الأنشطة المتشابهة وتقلل التشوهات التي تراكمت عبر السنوات. 

أما المعارضون، فيحذرون من أن بعض هذه التعديلات قد تزيد تكلفة ممارسة الأعمال، خاصة في قطاعات تعتمد على الوحدات الإدارية أو المنتجات التي تغيرت معاملتها الضريبية، وهو ما قد ينعكس في النهاية على المستهلك. 

وهنا يبرز التحدي الحقيقي؛ فنجاح التشريع لا يتوقف على جودة النصوص، وإنما على كيفية تطبيقها عمليًا، ومدى قدرة السوق على استيعاب آثارها. 

ثالثًا... الإجراءات الضريبية.. التحول الحقيقي 

إذا كانت تعديلات الدخل والقيمة المضافة تعالج الوعاء أو سعر الضريبة، فإن تعديلات قانون الإجراءات الضريبية الموحدة تعالج طريقة إدارة المنظومة الضريبية نفسها. 

فالتعديلات تؤكد استمرار توجه الدولة نحو الاعتماد على الوسائل الإلكترونية، وتطوير إجراءات الفحص، وتعزيز التكامل بين قواعد البيانات، بما يتماشى مع منظومة الفاتورة الإلكترونية والإيصال الإلكتروني، ويهدف إلى رفع كفاءة الإدارة الضريبية وتقليل المنازعات وتسريع الإجراءات.  

وهذا التحول يعني أن دور المحاسب لم يعد يقتصر على إعداد الإقرار الضريبي، بل أصبح مطالبًا بإدارة البيانات الضريبية والتأكد من توافقها مع الأنظمة الرقمية، لأن أي اختلاف في البيانات أصبح أكثر سهولة في الاكتشاف من خلال أدوات التحليل والربط الإلكتروني. 

هل تحقق الحزمة أهدافها؟ 

في تقديري، لا يمكن الحكم على هذه الحزمة من خلال زيادة أو انخفاض الضريبة على سلعة أو خدمة بعينها، لأن الهدف المعلن يتجاوز ذلك إلى بناء منظومة أكثر كفاءة واستقرارًا. 

فإذا نجحت التعديلات في تقليل المنازعات، وتوحيد التطبيق بين المأموريات، وإصدار تعليمات تنفيذية واضحة، فإنها ستكون خطوة مهمة نحو تحسين بيئة الاستثمار وتعزيز الثقة في النظام الضريبي. 

أما إذا اختلفت التفسيرات أو تأخر استكمال الإطار التنفيذي، فقد تواجه بعض المواد الجديدة التحديات نفسها التي واجهتها نصوص سابقة، مهما كانت جودة صياغتها. 

وتكشف الحزمة الضريبية 2026 عن تحول واضح في فلسفة التشريع الضريبي في مصر. فلم يعد الهدف هو تحصيل الضريبة فحسب، بل إدارة العلاقة الضريبية بصورة أكثر كفاءة، مع الاعتماد على الرقمنة، وتقليل النزاعات، وتوسيع قاعدة الامتثال. 

ومع ذلك، يبقى نجاح هذه الحزمة مرهونًا بتحقيق توازن دقيق بين حق الدولة في تنمية مواردها، وحق المستثمر في نظام ضريبي واضح ومستقر يمكنه من التخطيط واتخاذ قراراته بثقة. 

فالاستثمار لا يبحث فقط عن ضريبة منخفضة، بل يبحث قبل كل شيء عن تشريع واضح، وتطبيق عادل، واستقرار تشريعي. وإذا نجحت الدولة في تحقيق هذه المعادلة، فإن الحزمة الضريبية 2026 لن تكون مجرد تعديلات على ثلاثة قوانين، بل ستكون بداية مرحلة جديدة في مسيرة الإصلاح الضريبي في مصر.