من بئر النفط إلى آفاق الشمس والرياح: كيف تعيد الطاقة الخضراء هندسة مستقبل الطاقة في مصر؟

د.مهندس / إبراهيم قطب

من بئر النفط إلى آفاق الشمس والرياح: كيف تعيد الطاقة الخضراء هندسة مستقبل الطاقة في مصر؟
د.مهندس / إبراهيم قطب

كتبت/شهد ابراهيم 

على مدار عقود، شكلت المنتجات البترولية أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد المصري، ولعبت دورًا محوريًا في تلبية احتياجات قطاعات التنمية والصناعة والخدمات، إلا أن التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الطاقة عالميًا ومحليًا تفرض إعادة النظر في أنماط إنتاج واستهلاك الطاقة، في ظل تصاعد التحديات البيئية والاقتصادية المرتبطة بالوقود الأحفوري.

ولم تعد الطاقة الخضراء مجرد خيار مستقبلي أو توجه مؤقت، وإنما تحولت إلى ضرورة استراتيجية ترتبط بشكل مباشر بأمن الطاقة والاستدامة الاقتصادية والبيئية، وهو ما يدفع نحو بناء مزيج طاقي أكثر تنوعًا ومرونة، يجمع بين الخبرات المتراكمة لقطاع البترول والإمكانات المتنامية لمصادر الطاقة المتجددة.

تشير بيانات استهلاك الطاقة في مصر إلى أن قطاعي النقل والصناعة يمثلان جانبًا مهمًا من الطلب على الوقود، بما يشمل مختلف المنتجات البترولية، وهو ما يجعل الاقتصاد أكثر تأثرًا بتقلبات أسعار الطاقة في الأسواق العالمية.

وفي الوقت نفسه، يفرض ارتفاع الاهتمام العالمي بخفض الانبعاثات الكربونية والحد من آثار تغير المناخ تحديات جديدة أمام الاقتصادات، بما في ذلك الالتزامات الدولية المرتبطة بالتحول إلى أنظمة طاقة أكثر استدامة.

وفي هذا الإطار، يمثل التوسع في الطاقة الخضراء أحد المسارات المهمة التي يمكن من خلالها تقليل استهلاك الوقود الأحفوري، ولا سيما في قطاع توليد الكهرباء، خاصة مع امتلاك مصر مقومات طبيعية وجغرافية متميزة تؤهلها للتوسع في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

شهدت مصر خلال السنوات الماضية تنفيذ عدد من المشروعات المهمة في مجال الطاقة المتجددة، يأتي في مقدمتها مجمع بنبان للطاقة الشمسية، إلى جانب مشروعات طاقة الرياح في مناطق من بينها جبل الزيت ورأس غارب.

وتشكل هذه المشروعات قاعدة أساسية لتعزيز مساهمة الطاقة الخضراء في مزيج الطاقة المصري، من خلال تنويع مصادر الطاقة وزيادة الاعتماد على الموارد المتجددة، بما يسهم في تقليل الاعتماد على مصادر الوقود التقليدية في الاستخدامات التي يمكن استبدالها أو خفض استهلاكها.

كما يعزز التوسع في هذه المشروعات قدرة مصر على الاستفادة من مواردها الطبيعية، خاصة ارتفاع معدلات سطوع الشمس واتساع إمكانات إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح في عدد من المناطق ذات المقومات المناسبة.

ويؤكد التحليل الاقتصادي أن التوسع في الطاقة الخضراء لا يعني تهميش قطاع البترول أو تقليص أهميته، بل يمكن أن يمثل فرصة لتعظيم القيمة المضافة للموارد الهيدروكربونية المصرية وتحقيق استخدام أكثر كفاءة لها.

فمع نجاح محطات الطاقة المتجددة في تغطية جزء متزايد من الطلب المحلي على الكهرباء، يمكن أن يؤدي ذلك إلى إزاحة جزء من استهلاك المازوت والغاز الطبيعي المستخدم في توليد الكهرباء، بما يتيح توجيه كميات أكبر من هذه الموارد إلى استخدامات أخرى ذات قيمة اقتصادية أعلى.

ويشمل ذلك تلبية احتياجات القطاعات الصناعية والبتروكيماوية محليًا، إلى جانب إمكانية دعم الصادرات وخفض فاتورة استيراد بعض المنتجات، بما يعزز كفاءة استغلال الموارد الوطنية ويسهم في تخفيف الضغوط المالية على الاقتصاد.

ولا يقتصر التحول في قطاع الطاقة على إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح، وإنما يمتد إلى مجالات جديدة، يأتي في مقدمتها اقتصاد الهيدروجين الأخضر، الذي يمكن أن يمثل حلقة وصل مهمة بين الخبرات التاريخية لقطاع البترول والغاز ومتطلبات الاقتصاد منخفض الكربون.

ويعتمد إنتاج الهيدروجين الأخضر وتطوير مشروعاته، إلى جانب فرص تصديره إلى الأسواق الخارجية، على توافر قدرات هندسية ولوجستية وبنية تحتية متطورة، وهي عناصر يمتلك قطاع البترول والغاز خبرات طويلة في التعامل معها.

وتشمل هذه الخبرات مجالات النقل والتخزين وإدارة الشبكات والمنشآت الصناعية المعقدة، وهو ما يتيح دمج الكوادر والخبرات البترولية في مشروعات الاقتصاد الأخضر والاستفادة من البنية المؤسسية والفنية القائمة بدلًا من البدء من نقطة الصفر.

وتشير التحليلات الاقتصادية والنماذج الإحصائية إلى أهمية السياسات الحكومية الداعمة للطاقة النظيفة، بالتوازي مع توطين التكنولوجيا الحديثة وزيادة الوعي البيئي، باعتبارها عوامل يمكن أن تسهم في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتعزيز التحول نحو مصادر أكثر استدامة.

وتتطلب هذه المرحلة مواصلة تطوير الأطر التشريعية والتنظيمية التي تشجع الاستثمارات الخاصة في مشروعات الطاقة المتجددة، إلى جانب توفير الحوافز المناسبة للاستثمار وتوطين الصناعات المرتبطة بتكنولوجيا الطاقة النظيفة.

كما يمثل تطوير شبكات نقل الكهرباء ورفع كفاءتها والتحول التدريجي نحو الشبكات الذكية أحد المتطلبات الأساسية لاستيعاب القدرات الجديدة من مصادر الطاقة المتجددة، إلى جانب تعزيز الشراكات الإقليمية والدولية لنقل التكنولوجيا والاستفادة من الخبرات العالمية وخفض تكاليف الإنتاج.

ويبرز من ذلك أن التحول نحو الطاقة الخضراء في مصر لا ينبغي النظر إليه باعتباره بديلًا منفصلًا عن قطاع البترول، وإنما باعتباره جزءًا من استراتيجية متكاملة تهدف إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة من مختلف مصادر الطاقة.

فالتكامل بين الخبرات المتراكمة في قطاع البترول والغاز وبين الإمكانات الكبيرة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح يمكن أن يسهم في بناء منظومة طاقة أكثر مرونة وقدرة على مواجهة المتغيرات العالمية.

كما يتيح هذا التكامل إعادة توجيه الموارد الهيدروكربونية نحو الاستخدامات الأكثر قيمة اقتصاديًا، بالتزامن مع زيادة مساهمة مصادر الطاقة المتجددة في إنتاج الكهرباء والتوسع في مجالات الهيدروجين الأخضر، بما يدعم أمن الطاقة ويعزز القدرة التنافسية للاقتصاد المصري.

وتؤكد الرؤية المتكاملة لقطاع الطاقة أن الدولة المصرية تمتلك فرصة مهمة للاستفادة من التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر، مستندة إلى موارد طبيعية متنوعة، وخبرات بشرية وفنية متراكمة، وبنية تحتية قوية في قطاعي البترول والكهرباء.

ومن ثم، فإن دمج الطاقة الخضراء في منظومة الطاقة المصرية يمثل امتدادًا طبيعيًا لتطور قطاع الطاقة، وليس قطيعة مع ماضيه، إذ يمكن أن تتكامل الخبرات البترولية مع الاستثمارات الجديدة في الطاقة النظيفة لتحقيق أهداف اقتصادية وبيئية متوازنة.

وفي النهاية، فإن نجاح هذا التحول يعتمد على استمرار الإصلاحات والسياسات المحفزة للاستثمار، وتوطين التكنولوجيا، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التعاون الدولي، بما يدعم الوصول إلى منظومة طاقة تحقق ثلاثة أهداف رئيسية: أمن طاقة مستدام، واقتصاد وطني أكثر قوة ومرونة، ومستقبل أكثر استدامة للأجيال المقبلة.

د. مهندس/ إبراهيم قطب
جزء من رسالة دكتوراه – جامعة القاهرة
بعنوان: «دور الطاقة الخضراء نحو تقليل الاعتماد على المنتجات البترولية في مصر»