الحلقة الثالثة.. سلاح النفط العربي.. كيف انتقلت معركة أكتوبر إلى أسواق العالم؟

يرصد التقرير الدور الذي لعبه النفط العربي خلال حرب أكتوبر 1973، وكيف انتقلت المعركة من جبهة سيناء إلى أسواق الطاقة العالمية. ويتناول انضمام مصر إلى منظمة أوابك عام 1973، وقرار الدول العربية خفض إنتاج النفط في أكتوبر، وفرض حظر على بعض الدول الداعمة لإسرائيل. كما يستعرض ارتفاع أسعار النفط وتأثير الأزمة على الاقتصاد العالمي والدول المستوردة، وكيف كشفت حرب أكتوبر أهمية الطاقة كأداة اقتصادية وسياسية، وغيرت خريطة أمن الطاقة عالميًا.

الحلقة الثالثة..  سلاح النفط العربي.. كيف انتقلت معركة أكتوبر إلى أسواق العالم؟
الحلقة الثالثة

من جبهة سيناء إلى العواصم العالمية.. النفط يتحول إلى ورقة ضغط في حرب أكتوبر

إذا كانت الحلقة الثانية قد كشفت كيف دخلت آبار بترول سيناء دائرة العمليات العسكرية، فإن حرب أكتوبر شهدت جبهة أخرى لم تكن على الرمال أو في مياه خليج السويس.

هذه المرة كانت الجبهة في أسواق النفط العالمية.

فالدول العربية المنتجة للنفط امتلكت في السبعينيات موردًا استراتيجيًا تستطيع من خلاله التأثير في إمدادات الطاقة العالمية، ومع تطورات الحرب والدعم الغربي لإسرائيل، اتجهت الدول العربية إلى استخدام هذا المورد كورقة ضغط سياسية واقتصادية.

مصر تنضم إلى أوابك

كانت منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول «أوابك» قد تأسست عام 1968، وانضمت إليها مصر عام 1973، إلى جانب عدد من الدول العربية المنتجة والمصدرة للبترول.

وجاء انضمام مصر في عام الحرب نفسه، في وقت كانت فيه القضية البترولية تزداد ارتباطًا بالسياسة الدولية.

لكن من المهم التمييز بين دور مصر كدولة مواجهة في الحرب وبين الدور النفطي للدول العربية الكبرى المنتجة للخام؛ إذ لم تكن مصر في ذلك الوقت من أكبر منتجي النفط عالميًا.

قرار 17 أكتوبر

بعد اندلاع الحرب في 6 أكتوبر، ومع تطورات الموقف الدولي، اتخذ وزراء النفط العرب في 17 أكتوبر 1973 قرارًا بخفض إنتاج النفط بنسبة لا تقل عن 5% شهريًا، مع استمرار الخفض إلى أن يتحقق تقدم في القضايا التي ربطتها الدول العربية بالقرار.

كما اتجهت بعض الدول العربية إلى فرض حظر على تصدير النفط إلى الولايات المتحدة ودول أخرى اعتبرتها داعمة لإسرائيل.

وهكذا أصبح النفط جزءًا من المعركة السياسية، بالتوازي مع العمليات العسكرية على الجبهتين المصرية والسورية.

لماذا كان النفط ورقة ضغط قوية؟

كانت أهمية القرار مرتبطة بطبيعة الاقتصاد العالمي في السبعينيات.

فالولايات المتحدة وأوروبا واليابان كانت تعتمد بدرجات كبيرة على النفط المستورد، بينما كانت الدول العربية تملك نسبة كبيرة من احتياطيات وإنتاج النفط العالمي.

لذلك فإن تقليل الإمدادات لم يكن مجرد قرار تجاري، بل كان قادرًا على إحداث اضطراب في الأسواق ورفع الأسعار وزيادة تكلفة الطاقة.

الأسعار تقفز

قبل حرب أكتوبر كانت أسعار النفط العالمية منخفضة نسبيًا مقارنة بما حدث لاحقًا.

وفي أكتوبر 1973 رفعت دول الخليج الأعضاء في أوبك سعر النفط المعلن بصورة حادة، من نحو 3.01 دولار للبرميل إلى 5.12 دولار، ثم شهدت الأسعار زيادات أخرى خلال الأزمة.

وبحلول يناير 1974 وصل السعر المرجعي إلى نحو 11.65 دولار للبرميل، وفق وثائق رسمية أمريكية.

وتشير بيانات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى أن سعر النفط ارتفع من نحو 2.90 دولار للبرميل قبل الحظر إلى 11.65 دولار في يناير 1974، أي ما يقارب أربعة أضعاف.

أزمة طاقة عالمية

لم تتوقف تداعيات القرار عند الولايات المتحدة.

فانخفاض المعروض وارتفاع الأسعار أحدثا أزمة واسعة في الدول المستوردة للنفط.

ظهرت طوابير طويلة أمام محطات الوقود، وبدأت الحكومات الغربية في اتخاذ إجراءات لتقليل استهلاك الطاقة، كما أعادت الدول المستوردة النظر في سياساتها المتعلقة بأمن الطاقة.

وتصف وزارة الطاقة الأمريكية أزمة أكتوبر 1973 بأنها أول أزمة طاقة كبرى، بعدما أدى الحظر العربي وتخفيضات الإنتاج إلى اضطراب أسواق النفط.

هل كان النفط سببًا في إنهاء الحرب؟

من المهم التعامل مع هذه النقطة بدقة.

فالحظر النفطي لم يكن عملية عسكرية، ولم يكن العامل الوحيد في مسار الحرب أو المفاوضات.

لكنه أضاف ضغطًا اقتصاديًا وسياسيًا دوليًا في مرحلة شديدة الحساسية، وأظهر للدول المستهلكة أن الاعتماد الكبير على النفط المستورد يمثل عنصر ضعف استراتيجي.

وتشير وثائق أمريكية في ذلك الوقت إلى أن الجمع بين خفض الإنتاج والحظر كان له تأثير سريع وقوي على الدول المستهلكة للنفط.

درس استراتيجي جديد

أظهرت حرب أكتوبر أن أهمية البترول لا تتوقف عند إنتاجه أو بيعه.

فالدولة التي تمتلك موارد الطاقة تستطيع أن تستخدمها ضمن أدوات السياسة الاقتصادية، بينما تستطيع الدول المستوردة أن تتأثر بشدة بأي اضطراب في الإمدادات.

ومن هنا تحولت أزمة 1973 إلى نقطة مهمة في تاريخ الطاقة العالمي.

فبدأت دول عديدة البحث عن مصادر بديلة، وزيادة المخزونات الاستراتيجية، وتنويع مصادر الاستيراد، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة.

مصر بين جبهتين

بالنسبة لمصر، كانت المعركة مختلفة.

فهي كانت تخوض الحرب عسكريًا من أجل استعادة سيناء، وفي الوقت نفسه كانت تخسر جزءًا من إنتاجها البترولي بسبب الاحتلال.

أما الدول العربية المنتجة للنفط فامتلكت القدرة على استخدام الإنتاج والصادرات كأداة ضغط دولية.

وبذلك ارتبطت الجبهتان:

مصر تقاتل لاستعادة الأرض والحقول.

والدول العربية المنتجة تستخدم ثقلها النفطي في الخارج.

وفي الحلقة الأخيرة من السلسلة نصل إلى المحطة التي انتظرها قطاع البترول المصري: عودة حقول سيناء إلى السيادة المصرية في 17 نوفمبر 1975، وما الذي حدث للصناعة البترولية بعد استردادها.

يتبع...