حمى «الدهّابة» في صحراء مصر.. صراع استنزاف الثروة المعدنية بين مطرقة التهريب ومساعي التقنين

تخوض مصر مواجهة حاسمة ضد ظاهرة «الدهّابة» بالصحراء الشرقية وجنوب أسوان؛ بعد تحول التنقيب العشوائي إلى اقتصاد موازٍ يُهدر بين 3 إلى 5 أطنان من الذهب سنوياً، وسط استنزاف للوقود ومخاطر بيئية جراء استخدام الزئبق والسيانيد. وتتبنى وزارة البترول مسار تقنين واستيعاب عبر مجمعات تعدين رسمية تديرها شركة «شلاتين» لدمج المنقبين بالقطاع النظامي ورفد الاحتياطي النقدي للبنك المركزي.

حمى «الدهّابة» في صحراء مصر.. صراع استنزاف الثروة المعدنية بين مطرقة التهريب ومساعي التقنين
الدهابة


​تخوض الدولة المصرية في عمق صحرائها الشرقية ومتاهات سلاسل جبال البحر الأحمر وجنوب أسوان معركة صامتة ومتعددة الجبهات ضد ظاهرة «الدهّابة»؛ وهو التوصيف الدارج لشبكات التنقيب العشوائي وغير المشروع عن خام الذهب. ولم تعد هذه الظاهرة مجرد مغامرات فردية عابرة لمعدّنين محليين، بل تحولت إلى اقتصاد موازٍ متكامل يستنزف الاحتياطيات الاستراتيجية للدولة، ويضغط على الموارد البترولية المدعومة، ويثير في الوقت ذاته مخاطر أمنية وبيئية متصاعدة على امتداد الشريط الحدودي الجنوبي.
​من ضربات المعاول إلى شبكات منظمة: خريطة التمدد الميداني

​يمتد النشاط غير المشروع عبر حزام جيولوجي شديد الوعورة والغنى بعروق المرو والكوارتز الحاملة للمعدن النفيس، متمركزاً في:
​قطاع البحر الأحمر والمثلث الذهبي: ويشمل المثلث التعديني (قنا – سفاجا – القصير)، إضافة إلى الأودية الجبلية المحيطة بمرسى علم والشلاتين وحلايب.

​محور وادي العلاقي وبحيرة ناصر: جنوب شرقي أسوان، وصولاً إلى النقاط المتاخمة للحدود السودانية، وهي مناطق تاريخية للتعدين تحولت إلى مراكز جذب لعصابات التنقيب العابرة للحدود.

​ولم يعد «الدهّاب» يكتفي بمجرد استخدام أجهزة الكشف الكهرومغناطيسية اليدوية؛ بل كشفت الوقائع الميدانية عن تحول هذا النشاط إلى صناعة غير مقننة تعتمد على شبكات تمويل تضخ معدات ثقيلة كـ«اللوادر» وشاحنات النقل في قلب الدروب، وتدير مطاحن صخور عشوائية تعمل بمولدات كهربائية عملاقة في مغارات جبلية نائية.

​نزيف الموارد بالأرقام.. أطنان في الظل وتوريدات متصاعدة للبنك المركزي

​تفرض سرية هذا القطاع صعوبة بالغة في الرصد الإحصائي الدقيق، غير أن التقديرات الفنية وحركة المضبوطات ترسم مشهداً بالغ الدلالة:

​حجم التسرب السنوي: ترجح تقديرات الجيولوجيين ومسؤولي قطاع التعدين خروج ما بين 3 إلى 5 أطنان من الذهب الخام سنوياً عبر قنوات التداول غير الرسمية والتهريب؛ مما يحرم الخزانة العامة من إيرادات نقدية دولارية مهمة.

​المسار الرسمي وشركة «شلاتين»: في المقابل، تشير مؤشرات ذراع الدولة التعدينية (شركة شلاتين للثروة المعدنية) إلى توريد قرابة 850 كيلوجراماً من الذهب لصالح البنك المركزي المصري خلال التسعة أشهر الأولى من عام 2026، ضمن مسار يستهدف مضاعفة التوريدات الرسمية إلى نحو 6 أطنان سنوياً بحلول 2030 عبر استيعاب المنقبين تحت مظلة الدولة.
​ضربات التموين والأمن العام: تعكس المحاضر الرسمية ضبطيات شهرية متكررة لعشرات الأطنان من أحجار الكوارتز غير المعالجة، إلى جانب مئات الكيلوجرامات من السبائك العشوائية وغير المدموغة التي يتم اعتراضها في كمائن الطرق الصحراوية قبل تصريفها في أسواق الصاغة.

​وقود مدعوم وكوارث بيئية.. أبعاد تتجاوز التنقيب

​تتجاوز خطورة الظاهرة سرقة الخامات التعدينية إلى أبعاد هيكلية أخرى باتت تشكل ضغطاً مباشراً على الدولة:

​استنزاف الوقود في قلب الجبال: رصدت الأجهزة الرقابية التموينية تسرب كميات هائلة من المحروقات المدعومة (خاصة السولار والغاز) من محطات الصعيد لتشغيل مولدات الكسارات ومضخات المياه في عمق الصحراء، ما حدا بالسلطات إلى تشديد الرقابة وتتبع حصص الوقود الإقليمية.

​السيانيد والزئبق.. قنابل بيئية مؤجلة: تشكل عمليات الاستخلاص البدائية خطراً بيئياً داهماً 

نتيجة الاعتماد المكثف على مادتي الزئبق والسيانيد شديدتي السمية لفرز جزيئات الذهب، حيث يتم تصريف المخلفات الكيميائية في مخرات السيول وأحواض قريبة من بحيرة ناصر، مهددة مصادر المياه الجوفية والتوازن البيئي.

​التحدي الأمني والحدودي: أفرزت الأوضاع في السودان الشقيق حركة نزوح وتسلل لشبكات تعدين سودانية ومصرية مشتركة عبر الدروب الوعرة، حيث يُستخدم الذهب غير المدموغ كعملة بديلة وسريعة لتمويل التجارة غير الشرعية والتهريب.

​استراتيجية الدولة: مجمعات التعدين الأهلي بديلاً للمطاردة الأمنية

​أمام هذا الواقع المركب، بدأت وزارة البترول والثروة المعدنية في تغيير مقاربتها، بالانتقال من منطق الملاحقة الأمنية المنفردة إلى سياسة «الاستيعاب والتقنين الاقتصادي».

​وتعمل الوزارة حالياً على تسريع وتيرة تدشين مجمعات صناعية للتعدين الأهلي في أسوان والبحر الأحمر؛ تتيح للمنقبين تسليم أحجارهم الخام ليتم تكسيرها واستخلاص الذهب منها بأحدث الوسائل التكنولوجية الآمنة، مع ضمان حصول المنقب على مقابل مجزٍ وفق الأسعار العالمية واقتطاع النسبة القانونية للدولة.

 وتهدف هذه الخطوة إلى ضرب حلقات التهريب في مقتل، وتحويل نشاط «الدهّابة» من اقتصاد أسود مهدر إلى رافد رسمي يعزز الاحتياطي الأجنبي لمصر.